وقد ولد المصنف- رحمه الله- بمدينة مصر سنة خمس وأربعين وستمائة.
وتوفي بها في الثاني عشر من رجب سنة عشر وسبعمائة، وقد أوضحت حاله مبسوطا في كتاب ((الطبقات)) التي جمعت فيها فأوعيت، ودعوت فأسمعت- رضي الله عنه وأرضاه- وحشرنا وإياه في دار كرامته ومستقر ورحمته، وغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وجميع المسلمين بمنه وكرمه.
* * * PageV20P008
كتاب الطهارة
باب المياه
قوله- رحمه الله-: الكتاب، مأخوذ من ((الكتب)) وهو الضم.
يقال: تكتبت بنو فلان، إذا تجمعوا. انتهى.
اعلم أن ((الكتاب)) و ((الكتب)) - كما قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة، وابن عصفور وغيره من النحاة-: مصدران ل ((كتب))، ثم توسعوا فأطلقوا ((الكتاب)) على ما وقعت عليه الكتابة، كما توسعوا فقالوا: درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه، ولم يقل أحد: إن المصدر مشتق من المصدر، فكيف يصح أن يكون ((الكتاب)) مأخوذا من ((الكتب))؟!.
قوله: والتحقيق ما قاله القاضي حسين في باب نية الوضوء: أن الطهارة الشرعية: رفع الحدث وإزالة النجس، لأن الطهارة مصدر ((طهر))، وذلك يقتضي رفع شيء، والشرع لم يرد [باستعمال] ((الطهارة)) في غير رفع الحدث وإزالة النجس، فاختص الاسم بهما، وإطلاق حملة الشريعة ((الطهارة)) على ما عدا ذلك من مجاز التشبيه.
ثم قال القاضي: إن الطهارة عينية وحكمية:
فالعينية: ما يختص وجوبها بمحل حلولها، وهي إزالة النجاسة.
والحكمية: ما يتعدى وجوبها عن [محل] حلول موجبها كالوضوء والغسل وبدلهما. انتهى ملخصا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن القاضي الحسين من كون الطهارة رفع الحدث وإزالة النجس، غلط فاحش ليس له ذكر في الباب الذي عزاه إليه وهو باب نية الوضوء، ولا في غيره- أيضا- بل جزم في الباب المذكور بعكسه، وهو أن التيمم طهارة، ولم يذكر ما يخالفه، فإنه قال في أول الباب ما نصه: الطهارة على نوعين: عينية، وحكمية، PageV20P009 # فالحكمية: ما يتعدى وجوبها ... إلى آخر ما نقله عنه المصنف.
ثم مثل للحكمية بالوضوء والاغتسال والتيمم، ولم يذكر ما يخالفه.
ثم إن كلام ابن الرفعة متدافع، لأنه نفى أولا أن يكون التيمم ونحوه طهارة، وجزم في آخر الكلام بعكسه.
واعلم أن القاضي عقد أولا بابا في نية الوضوء، وبعده بابا في سننه، وأراد ابن الرفعة الأول لا الثاني، فإن الثاني ليس فيه شيء من ذلك الكلام بالكلية، وأما الأول ففيه بعض ما ذكره كما سبق، فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ((الطهارة)) ليست من قسم الأفعال، لأنها مصدر ((طهر)) - بضم الهاء- وليست بمصدر ل ((تطهر))، فإن قياسه: ((التطهير)) - بفتح الطاء وضم الهاء- ولا ل ((طهر)) مشدد الهاء، فإن قياسه ((التطهير)).
وأما ((الرفع)) فمن قسم الأفعال، إذ هو مصدر ((رفع))، وحينئذ فلا يصح تفسير أحدهما بالآخر.
الثالث: أن الطهارة قد توجد حيث لا فعل بالكلية كما في الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، فلو عبر بالارتفاع لخلص من هذين:
الرابع: أن ما ذكروه في التيمم من عدم التسمية والرفع مردود، ففي الحديث الصحيح: ((وترابها طهورا)، ولهذا قال الشافعي: طهارتان، فلا يفترقان وفي هذا رفع وهو امتناع الصلاة، بخلاف الأغسال المستحبة، وستعرف- أيضا- شيئا من هذا الكلام في باب الأذان، فراجعه.
قوله: واقتضى الفصل جوازه بما نزل من السماء وهو المطر وذوب الثلج والبرد، أو نبع من الأرض وهو ماء البحار وماء الآبار وماء الأنهار. انتهى.