5 - المثال الخامس
ومرشدا إن شاء الله تعالى، لعل الله ينفع به أقواما.
المثال الخامس
السلطان أعني الإمام الأعظم. وقد أكثر الفقهاء في باب الإمامة، وأفرد كثيرون منهم الأحكام السلطانية بالتصنيص. ونحن ننبه على مهمات أهملها الملوك أو قصروا فيها. فمن وظائف السلطان تجنيد الجنود، وإقامة فرض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى؛ فإن الله تعالى لم يوله على المسلمين ليكون رئيسا آكلا شاربا مستريحا. بل لينصر الدين ويعلي الكلمة. فمن حقه ألا يدع الكفار يكفرون أنعم الله ولا يؤمنون بالله ولا برسوله. فإذا رأينا ملكا تقاعد عن هذا الأمر، وأخذ يظلم المسلمين، ويأكل أموالهم بغير حق، ثم سلبه الله نعمته وجاء يعتب الزمان، ويشكو الدهر، أفليس هو الظالم، وقد كان يمكنه بدل أخذ أموال المسلمين وظلمهم أن يقيم جماعة في البحر يتلصصون أهل الحرب؛ فإن كان هذا الملك شجاعا ناهضا فليرنا همته في أعداء الله الكفار، ويجاهدهم ويتلصصهم، ويعمل الحيلة في أخذ أموالهم حلا وبلا ويدع عنه أذية المسلمين.
ومن وظائفه أن ينظر في الإقطاعات، ويضعها مواضعها، ويستخدم من ينفع المسلمين، ويحمي حوزة الدين، ويكف أيدي المعتدين. فإن فرق الإقطاعات على مماليك اصطفاها وزينها بأنواع الملابس، والزراكش المحرمة، وافتخر بركوبها بين يديه، وترك الذين ينفعون الإسلام جياعا في بيوتهم، ثم سلبه الله النعمة، وأخذ يبكي ويقول: ما بال نعمتي زالت، وأيامي قصرت! فيقال له: يا أحمق، أما علمت السبب! أولست الجاني على نفسك!
ومن وظائفه الفكرة في العلماء والفقراء وسائر المستحقين، وتنزيلهم منازلهم، وكفايتهم من بيت المال الذي هو في يده أمانة عنده، ليس هو فيه إلا كواحد منهم، ولدلوه نسبة دلاء المسلمين، فإن ترك العلماء والفقراء جياعا في بيوتهم، يبيتون ومنهم من يطوي الليلة والليلتين هو وعياله، وأخذ يمن بعظيم ملكه ومحاسن سماطه وزينته ولباسه ولباس حاشيته، فذلك أحمق جهول. وإن ضم إلى هذا أنه استكثر على الفقهاء ما بأيديهم، وتعرض لأوقاف وقفها أهل PageV01P021 # الخير ممن تقدمه عليهم، فهو بلاء على بلاء. فإن من حقه أن ينظر في مصالحهم وأوقافهم، وألا يكلهم إليها. بل يرزقهم من بيت المال ما تتم به الكفاية. فإذا تعرض لها فقد خرق حجاب الهيبة. فإن ضم إلى ذلك أنه يبيعها بالبرطيل، ويضعها في غير مستحقها فما يكون جزاؤه!
ومن وظائفه بيت مال المسلمين. وقد قدر الشارع المصارف فيه، وجعل لكل مال أقواما وقدرا. فإن تعدى هذا كله، وصرفه في شهواته ولذاته، وحسب أن الملك عبارة عن ذلك، فلا يلوم إلا نفسه. وإذا جاء سهم رباني لا يستوحش؛ فإن أخذ يصرف الأموال على خواصه ومن يريد استمالة قلوبهم إليه لبقاء ملكه، لا لإعزاز الدين، وأعجبه مدائح الشعراء لكرمه، فذلك خرق وقد امتلأت التواريخ ممن كان يهب الألوف للشعراء، والألوف للمماليك، والألوف للمغاني (¬1) وكل ذلك وبال على صاحبه فقد كان بيت المال في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أضعاف ما هو اليوم بما لا يحصى كثرة، وفتح الله عليه من الفتوحات ما أمره مشهور، وجاءه مع ذلك أعرابي يستمنحه فقال:
يا عمر الخير جزيت الجنة ... اكس بنياتي وأمهنه
وكن لنا من الزمان جنه ... أقسم بالله لتفعلنه