الجنس الأول: الدليل بنفسه
، وهو يتنوع نوعين: أصل بنفسه، ولازم عن أصل. PageV01P297
النوع الأول: الأصل بنفسه، وهو صنفان: أصل نقلي، وأصل عقلي.
الصنف الأول: هو الأصل النقلي.
اعلم أن الأصل النقلي يشترط فيه أن يكون صحيح السند إلى الشارع صلوات الله عليه، متضح الدلالة على الحكم المطلوب، مستمر الأحكام راجحا على كل ما يعارضه، فهذه أربعة شروط ينبغي أن نعقد في كل شرط بابا. PageV01P298
الباب الأول في السند
اعلم أن الأصل النقلي إما أن ينقل تواترا وإما أن ينقل آحادا.
والمتواتر: {خبر جماعة يستحيل اتفاقهم على الكذب}.
وخبر الآحاد: {ما لا يبلغ حد التواتر}. PageV01P299
فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذين القسمين فصلا. PageV01P300
الفصل الأول: في التواتر
اعلم أن الأصل المستدل به: إما من الكتاب وإما من السنة.
فأما الكتاب فلابد من كونه متواترا، فإن لم يكن متواترا لم يكن قرآنا. فالاعتراض على من احتج بدليل يزعم أنه من القرآن ولم يكن متواترا بإبطال كونه متواترا.
ومثاله: احتجاج أصحاب الشافعي على أن خمس رضعات هي التي توجب الحرمة، فإن كانت أقل فلا حرمة بما في صحيح مسلم عن PageV01P301 # عائشة رضي الله عنها قالت: {كان فيما أنزل من القرأن عشر رضعات معلومات يحرمن} فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن PageV01P302 # مما يقرأ من القرآن.
فيقول أصحابنا: هذا باطل، لأنه لو كان قرآنا لكان متواترا، وليس بمتواتر، فليس بقرأن.
والجواب عندهم: إن التواتر شرط في التلاوة لا شرط في الحكم، وقصد المستدل بهذا إثبات حكم الخمس لا إثبات تلاوتها، فهذا جواب الشافعية عن هذا الاعتراض.
ومن ذلك استدلال الحنفية على أن المكفر إذا حنث بالله فصيام ثلاثة أيام من شرطه أن تكون متتابعة، فإن فرقها لم تجزه لقراءة ابن PageV01P303 # مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
فيقول أصحابنا: هذه الزيادة ليست من القرآن، فإنها غير متواترة، ومن شرط القرآن أن يكون متوترا. PageV01P304
وكذلك احتجت الحنفيةعلى أن الفيئة في الإيلاء إنما محلها الأربعة الأشهر لا بعدها بقراءة أبي بن كعب، فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم، وأصحابنا يقولون: إنما الفيئة بعد تمام الأربعة الأشهر.
ويعترضون على الحنفية بأن تلك الزيادة التي في قراءة أبي بن كعب PageV01P305 # ليست من القرآن، لأنها لم تتواتر، ومن شرط القرآن أن يكون متواترا.
والجواب عندهم: أن هذه الزيادة إما أن تكون قرآنا أو خبرا، لأنه إن لم تكن واحدا منها حرم على القاريء أن يقرأ بها لما في ذلك من التلبيس.
وإذا كانت إما قرآنا وإما خبرا وجب العمل به، والتواتر ليس بشرط في وجوب العمل بل في التلاوة كما تقدم.
وأما السنة: فإنه لا يشترط في الخبر المستدل به أن يكون متواترا عند المحققين من الأصوليين، اللهم إلا أن يكون ذلك رافعا لمقتضى القرآن بالقطع فإنه يجب حينئذ أن يكون الخبر متواترا. PageV01P306
ومثال ذلك: ما يحتج به جمهور الأئمة، والرواية المعمول بها عن مالك عندنا في المسح على الخفين من الأخبار الواردة في ذلك عن PageV01P307 # الصحابة قولا وفعلا، حتى نقل ذلك أصحاب المقالات عن سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فيقول المخالف: هذه لكها أخبار آحاد فلا ترفع ما اقتضاه القرآن من اعتبار الرجلين في قوله تعالى: وأرجلكم.