بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الشيخ الفقيه والإمام العالم الفذ، العلامة العلم فارس المعقول والمنقول وصاحب الفروع والأصول: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي الشريف الحسني التلمساني.
الحمد لله الذي خلق الخلق ليبرهنوا عليه، وبعث فيهم رسلا منهم يهدونهم إليه صلى الله عليهم عموما، وعلى محمد وآله خصوصا صلاة نجدها بين يديه.
أما بعد:
فإن العلم أجمل السجايا الإنسانية، وأجزل العطايا الربانية، لا سيما PageV01P295 # علم الشريعة، إذ هو في سماء المعلوات أسطع بدرا، وأهله من بين أولي الدرجات أرفع قدرا، بجنة رعايته يتحصن يوم الفزع الأكبر من العذاب الأليم، وبنور هدايته يستضاء في ظلم الحشر إلى جنات النعيم، فلقد فاز بالسعادة من أحيى به رسما داثرا، وحاز مع المسلمين فيه قسما وافرا.
ولما كان مدوخ ملوك العرب والعجم، ومصرف يده الكريمة في معلومات السيف والقلم، جامع كلمة الإسلام بعد شتاتها، وقامع الفجرة الظلام عن افتياتها، حتى امتدت على الرعية طنب أمانه، فلبسوا من جميل ظلها، بردا سابغا، فهم في حجر كفالتها هاجعون، وسحت عليهم سحب إحسانه فوردوا من جزيل فضلها وردا سائغا فهم بوثيق كفايتها وادعون، قد صرف عنهم ما يرهبون، وساق إليهم ما يرغبون، مولى الأنام، الخليفة الإمام أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين: أبو عنان أبقاه الله تعالى وسوانح الأقدار قاضية بإصعاده، PageV01P296
الصنف الأول: الأصل النقلي
وسوارح الأعصار ماضية في إسعاده، قد جاز بذهنه الثاقب الراجح في تحسين الدلائل مهما صعبا، وحاز برأيه الصائب الناجح في تحصيل المسائل موردا عذبا، حتى صار يفصل في مضيق المناظرات بين أربابها، ويجلو دجى المشكلات ويلي كشف حجابها، فأردت أن أضرب بهذا المختصر في اكتساب القربة إليه قدحا معلي وسهما، وأجمع فيه من بديع الحقائق ورفيع الدقائق نكتا وعلما، وفضله - أيده الله - يقضي بحسن القبول، ويقتضي لمؤلفه غاية المأمول.
وها أنا أشرع فيه بحول الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.
اعلم أن ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية منحصر في جنسين: دليل بنفسه، ومتضمن للدليل.