الحديث الخامس
:
[302]: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (1).
قوله: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا يجمع": خبر بمعنى النهي، أي: "لا تجمعوا". والفعل مبني لما لم يسم فاعله.
و"بين": ظرف قائم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله، والتقدير: "لا تجمعوا المرأة وعمتها في نكاح"، ثم بني الفعل؛ فجاء: "لا تجمع المرأة وعمتها".
وقد تشبع حركة "بين"؛ فيزاد عليها "ألف"، ولكنه يتغير الحكم والمعنى.
قال ابن الأثير: يقال: "بينا"، والأصل: "بين"، أشبعت الحركة، فصارت ألفا، يقال: "بينا" و"بينما". وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى الجملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى. والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه "إذ" ولا "إذا"، وقد [جاءا] (2) في الجواب كثيرا؛ يقال: "بينما زيد جالس دخل عليه عمرو" و"إذ دخل عليه" و"إذا دخل عليه". (3) وقد تقدم الكلام على "بين" و"بينا" مستوفى في الحديث الثالث من "السواك".
وجملة "لا يجمع" معمولة للقول.
قوله: "ولا بين المرأة وخالتها": أتى ب "لا" في المعطوف تأكيدا للنفي الأول، وزاد "بين" أيضا تأكيدا. ولو قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها" أجزأ، لكن يذهب معنى التأكيد، وفائدة الجمع بالواو، ويذهب [البينية] (4) من الطرفين، ولها PageV03P176 # معنى؛ فليس قولك: "لا يجمع في [عصمة] (1) المرأة وعمتها" كقولك: "لا يجمع في [عصمة] (2) بين المرأة وعمتها"؛ لأن "البين": "القطع"، والمراد الشرعي؛ فنهى -صلى الله عليه وسلم- عن جمع ما قطعه الشرع.
الحديث السادس
:
[303]: عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (3).
قوله: "عن عقبة بن عامر": تقدم له نظائر، وتكرر الكلام عليه. والتقدير: "أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، "قال" الأولى معمولة للمقدر قائما مقام الفاعل، و"قال" الثانية معمولة للقول.
و"إن أحق. . . إلى آخره" معمول للقول الثاني. و"أحق" اسم "إن"، وهو "أفعل" التفضيل، و"الشروط" مضاف إليه. واستعمل "أفعل" بالإضافة إلى المعرف ب "اللام".
و"أن توفوا به": يحتمل أن يكون بدلا من "الشروط"، بدل اشتمال. ويحتمل أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر.
و"به" يتعلق ب "توفوا". وأفرد الضمير وذكره، ولو قال: "أن توفوا بها" جاز، لكنه أراد "أحق"، و"أحق" أفعل التفضيل، وأفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، ولأنه أراد "ما" في قوله: "ما استحللتم"، و"ما" خبر عن "أحق"، والخبر هو المبتدأ في المعنى.
وقد جاء من ذلك قولهم: "عندي من الخيل ما أكثره سابق". ولو قال: PageV03P177
"أكثرها" أو "أكثرهن سابق" جاز.
ومن ذلك قول ابن الحاجب في مقدمته: "المرفوعات: هو ما اشتمل على علم الفاعلية". (1)
و"أن" حرف نصب، "توفوا" منصوب بها، وعلامة النصب حذف "النون".
و"وفى" و"أوفى" بمعنى، يتعدى [بالفاء] (2). وأما "أوفيته" بمعنى "أعطيته": فليس من هذه المادة. وجاء منها قوله تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37]، ولم يذكر متعلقه؛ قالوا: ليتناول كل ما يصلح له. (3)
و"ما" هنا يحتمل أن تكون موصولة مقدرة ب "الذي". ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة مقدرة بشرط، أي: "إن أحق الشروط أن توفوا به شرطا استحللتم به الفروج".