الحديث الخامس
:
[172]: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - على الصدقة. فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله؟ وأما خالد: فإنكم تظلمون خالدا، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله. وأما العباس: فهي علي ومثلها". ثم قال: "يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ " (3).
قوله: "بعث رسول الله": أي: "أنه قال: بعث رسول الله"، ف "أنه قال" معمول متعلق حرف الجر، وجملة "بعث" في محل مفعول القول.
و"عمر" لا ينصرف للعدل والعلمية، وعدله تقديري، ك "زفر"، وتقدم في الحديث الأول تقرير ذلك [بزيادة] (4).
قوله: "على الصدقة": يتعلق بحال من "عمر" أي: "عاملا على الصدقة"، أو يتعلق ب "بعث". والألف واللام في "الصدقة" للعهد، أي: "الصدقة المفروضة".
قوله: "فقيل: منع ابن جميل": جملة معطوفة على محذوف مفهوم من سياق الكلام، أي: "بعث عمر فذهب، فامتنع ابن جميل، فقيل"، فهو معطوف على "امتنع"، وهو مبني لما لم يسم فاعله، والقائم مقام الفاعل: الجملة على الحكاية، PageV02P261 # فيكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله.
قال أبو حيان: هو مذهب كوفي (1).
وقيل: يقدر ضمير قول.
وتقدم توجيه البناء في الفعل المعتل الوسط والقائم مقام الفاعل في الرابع عشر من "الجنائز". وفيه ثلاثة أوجه: كسر "الفاء"، وضمها، والإشمام.
والألف واللام في "الوليد" وفي "العباس" للمح الصفة (2).
ومفعول "منع" محذوف، أي: "منع دفع الصدقة"، أو: "منع الساعي من أخذ الواجب".
[قوله] (3): "فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -": "الفاء" سببية.
"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله": "نقم" بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والعكس (4).
قال الشيخ تقي الدين: "نقم" هنا بمعنى "أنكر"، وهذا يدل على أنه لا عذر له في الترك، إذ لم يحصل له موجب للمنع، إلا أن كان فقيرا فأغناه الله، فلا موجب للمنع وهذا مما يقصد به العرب النفي على سبيل المبالغة بالإثبات، كما قال الشاعر: PageV02P262
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (1)
لأنه إن لم يكن لهم عيب إلا هذا فهذا ليس بعيب فيهم، بل هو مدح. (2)
قال ابن الأثير: "نقم من فلان الإحسان"، إذا "جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة". ومعنى الحديث: أي: "ما ينقم ابن جميل شيئا من منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة"، فكأن غناه أداه إلى كفر نعمة الله (3).
قوله: "إلا أن كان فقيرا": الاستثناء مفرغ، و"نقم" متعد بمعنى أنكر، قال الشيخ تقي الدين: أي: "ما أنكر إلا غناه" (4).
وعلى قول ابن الأثير يقدر ما بعد "إلا" بالإحسان، أي: "ما نقم ابن جميل من الله إلا الإحسان إليه"، وهما يرجعان إلى معنى واحد، فتكون "أن" مع صلتها في محل مفعول "ينقم" المقدر ب "أنكر".
ويحتمل أن تكون "أن" وصلتها في محل مفعول لأجله، وتكون "ينقم" بمعنى: "يعيب"، أي: "ما يعيب ابن جميل طلب الزكاة إلا أن أغناه".
وذكر أبو البقاء في قوله تعالى: {هل تنقمون منا إلا أن آمنا} (5) [المائدة: 59] إعرابا، فقال: ""منا" مفعول ل "تنقمون"، و"إلا أن آمنا" هو المفعول الأول، فالاستثناء مفرغ له ما قبله.