كتاب الطهارة
أقسام المياه
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
المياه أقسام
الماء اسم جنس، يقع على القليل والكثير، فحقه أن لا يجمع، لكن جمعه باعتبار اختلاف أنواعه، كاللحوم. وأقسام جمع قسم بكسر القاف، والمراد به النوع، ومراده بالأقسام ثلاثة، كما سيأتي.
قيل: وكان ينبغي للمصنف أن يقول: الماء أقسام؛ لأن الجنس يفرد، ولا يقال للجنس المياه؛ لأنه يلزم عليه وجود المياه في كل نوع؛ لأن النوع يستلزم الجنس وزيادة؛ ولأنه كان يسلم من الإخنبار بالأخص عن الأعم؛ فإن المياه جمع كثرة، والأقسام جمع قلة، وإنما يخبر بالأعم والمساوي، أما أخص منه فلا.
وكون الماء جنسا هو باصطلاح الفقهاء؛ لأن النوع عندهم جنس، وأما الجنس عند الأصوليين فهو ما اجتمع على كثيرين مختلفين بالحقيقة. والماء ليس كذلك، ولعل المصنف- رحمه الله- جمعه لينبه على أن كل صنف منه ينقسم إلى الثلاثة الأقسام، وهذا لا يدفع كون الإفراد أولى.
المطلق طهور؛ وهو الباقي على خلقته
أي القسم الأول: (المطلق) ومراده بالمطلق ما لم يضف إليه شيء أصلا، ولذلك قال في الجواهر: الباقي على أوصاف خلقته من غير مخالط.
وليس المطلق عند المصنف مرادفا للطهور؛ لأنه جعل ما تغير بما لا ينفك عنه غالبا ملحقا بالمطلق، والملحق بالشيء خلافه. PageV01P003
وعلى هذا فالطهور أعم من المطلق، وتفسيرنا المطلق لا يرده اعتراض من اعترض بأنه يخرج عنه ما انتقل من عذوبة إلى ملوحة، وبالعكس؛ إذ هو لم يخالطه شيء، لكن كلام القاضي عبد الوهاب يقتضي أن المطلق مرادف للطهور، فإنه قال: الماء ضربان: مطلق ومضاف، والتطهير بالمطلق دون المضاف، والمطلق هو ما لم تتغير أحد أوصافه بما لا ينفك عنه غالبا مما ليس بقرار له ولا متولد عنه، فيدخل في ذلك الماء القراح، وما تغير بالطين لأنه قراره، وكذلك ما يجري على الكبريت، وما تغير بطول المكث؛ لأنه متولد عنه، وما تغير بالطحلب؛ لأنه من مكثه، وما انقلب من العذوبة إلى الملوحة؛ لأنه من أرضه وطول إقامته، ويدخل فيه المستعمل على كراهة منا له، وكذلك القليل الذي لم تغيره النجاسة. والمضاف نقيض المطلق، وهو ما تغيرت أوصافه وأحدها من مخالطة ما ينفك عنه غالبا، انتهى. فأنت ترى كيف جعل ما يطهر به مطلقا.
وقوله: (وهو) أي المطلق، وقدم حكمه على تصوره، وإن كان على خلاف الأولى، لأن المقصود بالذات الحكم، فكان أهم، وما ذكره ابن عبد السلام، بأنه قال: إنما ذكر ذلك لأنه ألحق بالمطلق أنواعا أخر، فلو ذكر جميعها قبل الخبر لحصل للناظر تشويش- ليس بظاهر؛ لإمكان ذكرها بعد الخبر.
ويلحق به الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالبا كالتراب والزرنيخ الجاري هو عليهما، والطحلب والمكث ...
إنما ألحق المتغير بهذه الأشياء بالمطلق لمشقة الاحتراز من المغير المذكور، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على طهورية المتغير بالمكث. والطحلب بضم اللام وفتحها، وقد حكى ذلك الجوهري وغيره، وهو خضرة تعلو على الماء لطول المكث، والمكث: طول الإقامة. PageV01P004
ونقل سند عن مالك كراهة المتغير بالطحلب مع وجود غيره. واحترز بالغالب مما غير وليس بغالب، كورق الشجر، وفيه قولان: الجواز لشيوخنا العراقيين، والمنع للإبياني، حكاهما الباجي.