بسم الله الرحمن الرحيم
ولابد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
(فإن كان من باب المروءة خاليا ... يقسيك أو يقصيك أو ليس ينفع)
أما بعد حمد الله الذي قضى بالمحبة والولوع، وحكم بإحراق كبد كل عاشق وولوع، (وقدر) بهوان أهل الهوى، فلم يفرحوا بهجوم الهجوع، وأمر بشقائهم؛ إذ سقاهم كأس والتشوق والتحرق والدموع.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب العلم المزيد، والحلم المديد، والبطش الشديد، والرأي السديد، القائل وقوله يدني من بالغ الحكمة كل بعيد: من عشق، وكتم، وعف (وصبر) فمات، فهو شهيد.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا المهج في محبته، ولم يبتغوا غير طريقته، ولم يتبعوا غير سنته، ما هبت نسمات الصبا، فتروح الصب إليها، وتمشت من ديار الأحبة، فجرت دموعه عليها.
فإني أعرف إخواني وأصحابي، وخلاني وأترابي، سلمهم الله (تعالى) من سطوات العشق ونهباته، وروعات الحب وحسراته، ودواعي الهوى وهجومه، وحديث الوجد وقديمه، وولوع القلب واشتغاله، واحتراقه بالهم واشتعاله،
ومرارة فراق الحبيب وفقده، وما يقاسيه المتيم بعد بعده، وما يكابده من تجرع كؤوس هجره وصده، وما يحصل عليه من وجود شتاته وعدم سناته، وما تذكيه نار المحبة من همول مقلتيه، وتصاعد زفراته، وما يبديه الغرام من تواتر أحزانه، وتزايد حسراته، وما يجنيه البعاد من تتابع أنفاسه، وتواصل أناته، فمعانيه مقهور بالأوجاع والأوجال، مأسور بحبائل الفتن وأغلال الإعلال، لا ينهض بمقاساته إلا الفحول من الرجال، ويضعف عنه كل ضعيف (قلب) نشأ في النعيم وفي الدلال، ولقد أجاد من أوضح هذا المقال؛ حيث قال:
هوى بين الملاحة والجمال ... يقاسيه القوي من الرجال
ويضعف عنه كل ضعيف قلب ... تربى في النعيم وفي الدلال
إن أضر ما على الإنسان، في كل زمان، أن يجري طرفه مرخى العنان، فيمرح في ميدان الملاحة والجمال، ويسرح في أفنان اللطافة والدلال، فينظر ما لا يقدر على الصبر عنه النظر إليه، ولا يستطيع الفرار منه عند الزحف عليه، فيرجع بعد النعمة والوقار، إلى موقف المذلة والانكسار، وبعد المناصب والخدم، إلى التوريط والندم، وقد قيل: كم نظرة أعقبت تعبا وحسرة! وكانت نظرة حلوة، فأعقبت عيشة مرة.
وكان يقطع الليل نوما ملء جفونه، فصار يقطعه سهرا
بتصاعد أنينه، وكان قلبه حرا ويده على العشاق ضارية، فصار قلبه مملوكا ودموعه في الهوى جارية، وكان تائها على كل متواجد بالخلو، فصار تائها لا يعرف القرار ولا السلو، وكان فائقا من سكرة الحب ولاعج الغرام، فصار عاشقا لا يرده العذل ولا يثنيه الملام، وكان ساليا عن ملاعبة كل حبيب، فصار شاكيا عن ملازمة كل رقيب، وكان رادعا كل محب عن الحبائب، فصار واقعا في مصائد المصائب، وكان عاذلا فصار عاذرا، وكان حاذقا فصار حائرا، وكان مخدوما فصار خادما، وكان مسرورا فصار واجما، وكان ضاحكا فصار نائحا، وكان كاتما فصار بائحا، وكان سليما فصار سليما، وكان كليما فصار كليما، وكان صحيحا فصار عليلا، وكان عزيزا فصار ذليلا، وكان ذا عز فذل، مذ سطا عليه جيش الحب من كمينه وحل.
ولطالما أرخى الناظر زمام طرفه، متنزها في رشاقة معاطف المحبوب وظرفه، متفكها في لطافة شمائله متفكرا في شمائل لطفه، إذ عاد النظر بوبال الناظر وحتفه، وكان كالساعي على حتفه بظلفه، والجالب له الحين من الحين عشقه وعسفه.