[مقدمة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم قال الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي - رحمه الله تعالى - ورضي عنه وأثابه الجنة: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد. . فهذا كتاب يشتمل على جملة كثيرة من الآداب الشرعية، والمنح المرعية، يحتاج إلى معرفته أو معرفة كثير منه كل عالم أو عابد وكل مسلم، وقد صنف في هذا المعنى كثير من أصحابنا كأبي داود السجستاني صاحب السنن، وأبي بكر الخلال، وأبي بكر عبد العزيز، وأبي حفص، وأبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وغيرهم، وصنف في بعض ما يتعلق به - كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء والطب واللباس وغير ذلك - الطبراني وأبو بكر الآجري وأبو محمد الخلال والقاضي أبو يعلى وابنه أبو الحسين وابن الجوزي وغيرهم.
(ثناء المؤلف على الكتاب) وقد اشتمل هذا الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على ما تضمنته هذه المصنفات من المسائل أو على أكثرها، وتضمن مع ذلك أشياء كثيرة نافعة حسنة غريبة من أماكن متفرقة، فمن علمه علم قدره، وعلم أنه قد علم من الفوائد المحتاج إليها ما لم يعلم أكثر الفقهاء أو كثير منهم لاشتغالهم بغيره، وعزة الكتب الجامعة لهذا الفن.
والله أسأل حسن القصد والنية، وأن ينفع به من حفظه وقرأه وكتبه، وأن يجعله عام النفع والبركة بفضله ورحمته إنه على كل شيء قدير.
[فصل في الخوف والصبر والرضا]
يسن لكل مسلم مكلف خوف السابقة، والخاتمة والمكربة، والخديعة، والفضيحة، والصبر على الطاعة والنعم والبلاء والنقم في بدنه وعرضه وأهله وماله، وعن كل مأثم، واستدراك ما فات من الهفوات، وقصد القرب والطاعة بنيته وفعله، كقوله: وسائر حركاته وسكناته، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والنظر في حاله وماله، وحشره ونشره وسؤاله، ويسن رجاء قبول الطاعة، والتوبة من المعصية والقناعة، والاكتفاء بالكفاية المعتادة بلا إسراف ولا تقتير ذكر ذلك في الرعاية الكبرى وغيرها.
وقال في نهاية المبتدئين: هل يجب الرضا بالمرض والسقم والفقر، والعاهة وعدم العقل؟
قال القاضي: لا يلزم، وقيل: بلى قال ابن عقيل الرضا بقضاء الله تعالى واجب فيما كان من فعله تعالى كالأمراض ونحوها قال: فأما ما نهى عنه من أفعال العباد كالكفر والضلال فلا يجوز إجماعا إذ الرضا بالكفر والمعاصي كفر وعصيان.
وذكر الشيخ تقي الدين أن الرضا بالقضاء ليس بواجب في أصح قولي العلماء إنما الواجب الصبر وذكر في كتاب الإيمان: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: 15] .
فلم يجعل لهم ريبا عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب، والريب يكون في علم القلب وعمله بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم فلهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملا، وإلا فإذا كان عالما بالحق ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعا عظيما لم يكن صاحب يقين.
وذكر الشيخ وجيه الدين من أصحابنا في شرح الهداية أنه يجوز البكاء على الميت إذا تجرد عن فعل محرم من ندب ونياحة وتسخط بقضاء الله وقدره المحتوم، والجزع الذي يناقض الانقياد والاستسلام له.