فصل في الرمي
الحديث الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: "لعل هوام الأرض قتلته"، قلت: روي مسندا ومرسلا.
فالمسند: عن أبي رزين، وعن عائشة.
فحديث أبي رزين: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا ابن نمير، ويحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصيد يتوارى عن صاحبه قال: "لعل هوام الأرض قتلته"، انتهى. وكذلك رواه الطبري في معجمه,
ورواه ابن أبي شيبة أيضا حدثنا جرير بن عبد الحميد عن موسى بن أبي عائشة عن أبي رزين، فذكره، ورواه كذلك أبو داود في مراسيله، ومن جهة أبي داود ذكره عبد الحق في أحكامه، وأعله بالإرسال، وأقره ابن القطان عليه.
وحديث عائشة: رواه عبد الرزاق في مصنفه حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي عن عائشة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بظبي قد أصابه بالأمس، وهو ميت، فقال: يا رسول الله عرفت فيه سهمي، وقد رميته بالأمس، فقال: "لو أعلم أن سهمك قتله أكلته، ولكن لا أدري، وهوام الأرض كثيرة"، انتهى. وابن أبي المخارق واه.
وأما المرسل: فرواه أبو داود في مراسيله عن عطاء بن السائب عن الشعبي أن أعرابيا أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ظبيا، فقال: "من أين أصبت هذا"؟ قال: رميته، فطلبته، فأعجزني حتى أدركني المساء، فرجعت، فلما أصبحت اتبعت أثره، فوجدته في غار، وهذا مشقصي فيه أعرفه، قال: "بات عنك ليلة، فلا آمن أن تكون هامة أعانتك عليه، لا حاجة لي فيه"، انتهى.
حديث آخر: رواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم، قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله رميت صيدا، فتغيب عني ليلة، فقال عليه السلام: "إن هوام الأرض كثيرة"، انتهى.
أحاديث الخصوم: أخرج مسلم1 عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخنشي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ثلاث قال: "كله ما لم ينتن"، انتهى، زاد في لفظ آخر: وقال في الكلب أيضا: "كله بعد ثلاث، إلا أن ينتن، فدعه"، انتهى.
حديث آخر: أخرجه البخاري، ومسلم2 عن عدي بن حاتم، وفيه: وإن رميت بسهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وقال البخاري: وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين، وعند البخاري عن عدي أيضا أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يرمي الصيد، فيقتفي أثره اليومين، أو الثلاثة، ثم يجده ميتا، وفيه سهمه، قال: "يأكل إن شاء"، ولم يصل سنده بهذا. PageV04P315
حديث آخر: أخرجه النسائي والترمذي1 عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله إنا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد، فيغيب عنه الليلة والليلتين، فيتبع الأثر، فيجده ميتا، قال: "إذا وجدت السهم فيه، ولم تجد فيه أثر غيره، وعلمت أن سهمك قتله، فكله"، انتهى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه الدارقطني في سننه2 عن عاصم الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرمي بسهمي، فأصيب، فلا أقدر عليه إلا بعد يوم أو يومين، فقال: "إذا قدرت عليه، وليس فيه أثر ولا خدش إلا رميتك، فكل، وإن وجدت فيه أثر غير رميتك، فلا تأكله، فإنك لا تدري أنت قتلته أم غيرك" , انتهى. قال في التنقيح وإسناده صحيح، وبه قال أحمد، يباح أكله إذا غاب مطلقا، قال مالك: ما لم يبت، فإذا بات لا يحل، والله أعلم.