نص، كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة
للإمام الحافظ العلائي
بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيق إلا بالله. أما بعد:
حمدا لله الذي وسع كل شيء رحمة وعلما، وفضل من اجتباه بما آتاه من جميل الرغائب وجزيل النعمى (ويسر للخير من هداه إليه فكان للسابقين المزية العظمى) 1، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث برحمة ورحمى المنعوت بأشرف الصفات حكمة وحكما. الذي فتح به قلوبا غلفا وعيونا عميا وآذانا صما. وعلى آله وصحبه الحائزين به نعما جما. الفائزين لما خصوا به من صحبته بالمحل الأسمى.
فإن الله سبحانه وتعالى اختص نبيه صلى الله عليه وسلم بصحابة جعلهم خير أمته، والسابقين إلى تصديقه وتبعيته والمجاهدين بين يديه والباذلين نفوسهم تقربا إليه (والناقلين لسننه وقضاياه، والمقتدين به في أفعاله ومزاياه) 2، فلا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم. ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم. فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم. ومتلقى من جهتهم بإبلاغهم وتفهيمهم. فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان. PageV01P029
وهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة. ثم إثبات العدالة لجميعهم رضي الله عنهم، وأنه لا يشذ عن هذه المنقبة أحد منهم، وذكر المذاهب الشاذة وبيان ما يعتمد من قويم المسالك.
وبالله تعالى التوفيق. وإياه نسأل الهداية إلى أقصد الطريق. إنه بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير.
والكلام فيما قصدنا له ينحصر في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: فيما يثبت به إسم الصحبة حتى ينطلق على من قام به إسم الصحابي، وفي ذلك مذاهب متباينة.
الأولى: وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث.
"أنه كل مسلم رآه النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة وعقل منه شيئا، فهو صحابي، سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا".
وهذا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل رحمه الله.
ورواه عبدوس بن مالك قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل رحمه الله يقول:
"كل من صحبه سنة أو شهرا أو ساعة أو رآه فهو من
أصحابه"1.
وقال البخاري في صحيحه: "من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"2.
وأخرج أبو داود في سننه حديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1) "الجمعة حق واجب على كل مسلم ... الحديث".
ثم قال أبو داود عقيبه: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه شيئا. فدل إخراجه الحديث في سننه على أنه مسند، ولولا أن طارقا يعد من الصحابة لمجرد الرؤية، وإلا كان تابعيا، فيكون الحديث مرسلا3.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله:
"المعروف في طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الصحابة".
قال: وبلغنا عن أبي المظفر بن السمعاني المروزي أنه قال:
"أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة. ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة. وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. أعطوا كل من رآه حكم الصحبة"4.
والقول الثاني: وهو أضيق من الأول قليلا، أنه لا يكتفي بمجرد الرؤية، لكن لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة ولو ساعة. PageV01P031