فهذا الكلام من أبي بكر رضي الله عنه يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يقتل من تغيظ عليه، بخلاف غيره من البشر، ولا شك أن سبه يغيظه.
وروى سيف وغيره أن المهاجر بن أبي أمية وكان أميرا على اليمامة أو نواحيها رفعت إليه امرأتان غنت إحداهما باسم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها/، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت باسم النبي صلى الله عليه وسلم، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقلتها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر. PageV01P123
فإن قيل: لم لا كتب إليه أبو بكر بقتلها؟ قلنا: لعلها أسلمت، أو لأن المهاجر حدها باجتهاده فلم ير أبو بكر أن يجمع بين حدين.
وعن عمر رضي الله عنه أنه أتى برجل سب النبي صلى الله عليه وسلم فقلته، ثم قال عمر: من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقاتلوه.
وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ردة، يستتاب فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه.
وعن خليد أن رجلا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: أنه لا يقتل إلا من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P124
والإكثار من ذلك لا حاجة إليه مع العلم بقيام الإجماع عليه.
وهكذا ورد عن الشافعي رضي الله عنه أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، فقال: هو كافر، واستدل بقوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: 56 66].
ونقل القاضي عياض عن إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه أنه احتج بقتل خالد بن الوليد بن نويرة لقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم: صاحبكم. PageV01P125
قال: وقال ابن القاسم عن مالك في "كتاب ابن سحنون"، و"المبسوط"، و"العتبية"، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب : من سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب. وقال ابن القاسم في PageV01P126 # "العتبية": أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق. وفي "المبسوط": عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب حيا/ ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله. ومن رواية أبي مصعب وابن أبي أويس: سمعنا مالكا يقول: منسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب. وفي "كتاب محمد": أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وقال PageV01P127 # أصبغ: يقتل على حال أسر ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأن توبته لا تعرف. وقال عبد الله بن عبد الحكم: من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وحكى الطبري مثله عن أشهب عن مالك. وروى ابن وهب عن مالك: من قال: إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم ويروى: زر النبي صلى الله عليه وسلم وسخ، أراد به عيبه، قتل.
قال القاضي عياض: وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي صلى الله عليه وسلم، يتيم أبي طالب، PageV01P128 # بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل [ابن] حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه باستخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها.