وحق علي وعلى غيري من أهل العلم القيام في ذلك وتبيين الحق فيه، فإن فيه نصره للنبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25)) [الحديد: 25].
وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب المعلون، والله يعلم أن قلبي كاره/ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب هاهنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجيني كما أنجي الذي ينهون عن السوء، إنه عفو غفور. PageV01P114
ورتبت هذا الكتاب على أبواب أربعة:
الأول: في حكم الساب من المسلمين.
الثاني: في حكم الساب من أهل الذمة وسائر الكفار.
الثالث: في بيان ما هو سب.
الرابع: في شيء من شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم نختم به الكتاب؛ ليكون خاتمه مسكا.
والله تعالى أسأل أن ينفع به وأن يجعله خالصا لوجهه، وأن يسدد أقوالنا وأفعالنا ونياتنا، ويجمع لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلينا خير الدنيا وخير الآخرة، ويصرف عنا شر الدنيا وشر الآخرة، ويحشرنا في زمرة هذا النبي الكريم، بفضله ومنه الجسيم؛ إنه هو الغفور الرحيم. PageV01P115
الباب الأول: في حكم الساب من المسلمين
وفيه فصلان:
أحدهما: في وجوب قتله إذا لم يتب.
والثاني: في توبته واستتابته. PageV01P117
الفصل الأول: في وجوب قتله
وذلك مجمع عليه، والكلام في مسألتين، إحداهما: في نقل كلام العلماء في ذلك ودليله، والثانية: في أنه: يقتل كفرا أو حدا مع الكفر؟
المسألة الأولى: في نقل كلام العلماء ودليله
أما النقل: فقال القاضي عياض: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه".
وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن على من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل. وممن قال ذلك مالك بن/ أنس، والليث، وأحمد، PageV01P119 # وإسحاق، وهو مذهب الشافعي".
قال عياض: "وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم".
وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء أن شاتم النبي عليه السلام المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر". PageV01P120
وقال أبو سليمان الخطابي: "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما".
وعن إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام قال: "أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله".
وهذه نقول معتضدة بدليلها، وهو الإجماع، ولا عبرة بما أشار إليه ابن حزم الظاهري من الخلاف في تكفير المستخف به، فإنه شيء لا يعرف PageV01P121 # لأحد من العلماء، ومن استقرأ سير الصحابة تحقق إجماعهم على ذلك، فإنه نقل عنهم في قضايا مختلفة منتشرة يستفيض مثلها، ولم ينكره أحد.
روى أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر رضي الله عنه، فتغيظ على رجل وفي رواية: من أصحابه فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلى فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. [فقال:] أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم. PageV01P122