وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
وقال عمر: يا رسول الله، أنت أحب إلي من كل أحد إلا نفسي، قال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال: أنت أحب إلي من نفسي، قال: "فالآن".
وكذلك حرم الله سبحانه وتعالى علينا أمورا لتعظيم/ النبي فقال تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذالكم كان عند الله عظيما (53)) [الأحزاب: 53].
وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58)) [الأحزاب: 57 - 58].
فانظر كيف غاير في الجزاء بين أذى الرسول وأذى غيره من المؤمنين، وحرم أزواجه بعده، ولم تحرم أزواج غيره من المؤمنين بعده.
وقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين أمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61)) [التوبة: 61]. PageV01P111
وقال تعالى: (إن ذالكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) [الأحزاب: 53].
وحرم سبحانه وتعالى التقدم بين يدي الله ورسوله، فلا يحل لأحد أن يتقدم بقوله على النبي صلى الله عليه.
وحرم التخلف عنه، فقال: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) [التوبة: 120].
وحرم نداءه من وراء الحجرات، ونسب من يفعل ذلك إلى عدم العقل.
ولا سبيل إلى أن نستوعب هاهنا الآيات الدالة على ذلك وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناء الله تعالى عليه وقسمه بحياته، ونداؤه بالرسول والنبي ولم يناده باسمه بخلاف غيره من الأنبياء ناداهم بأسمائهم، إلى غير ذلك مما يشير إلى إنافة قدرة العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده.
فكان تعظيمنا له وبذلنا النفوس والمهج بين يديه، وتوقيرنا إياه ونصرتنا له: عبادة واجبة علينا لامتثال/ أمر الله تعالى ونفوسنا منقادة إليه لما له علينا من الإحسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمحبة بالقلب، والنصرة باليد واللسان، فإذا عجزت اليد فلا أقل من اللسان. PageV01P112
وهذا تصنيف سميته:
السيف المسلول على من سب الرسول
وكان الداعي إليه أن فتيا رفعت إلي في نصراني سب ولم يسلم، فكتبت عليها: يقتل النصراني المذكور كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف، ويطهر الجناب الرفيع من ولغ هذا الكلب:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
وكتب معي جماعة من الشافعية والمالكية، فأنكر ذلك بعض الناس محتجا بقول الرافعي وغيره من الأصحاب: إن في انتقاض عهده بذلك خلافا، وظن أنه إذا لم ينتقض عهده لا يقتل، وتعجب من استدلالي بقصة كعب بن الأشرف، وقال: هذه واقعة عين لا يستدل بها لاحتمال أنه قتله بغير السب، وربما زعم بعض المجادلين في ذلك أن كعب بن الأشرف كان حربيا.
وإني لأتعجب من المجادلة في ذلك ممن له أدنى إلمام بالسير أو أنس بالفقه! وأتعجب من شافعي عجبا آخر وإمامه قد قال ما قلته واحتج PageV01P113 # بما احتججت به من خبر كعب بن الأشرف، وكذلك الأكابر من أصحاب مذهبه، ولم يصرح أحد منهم بخلاف ذلك، وقال الغزالي: إن المذهب أنه لا تقبل توبته، فلا وجه لإنكار ذلك إلا المجادلة بالباطل.