إلى أن كمل الأربعين، فأتاه الروح الأمين، بالكتاب المبين، الذي هو أعظم المعجزات، بله تسبيح الحصا، ونبع الماء، وانشقاق القمر، ورد العين بعد العور، وتكثير القليل/ وإجابة الدعاء، والمعراج والإسراء، وكمال محاسنه في الخلق والخلق، ورأفته ورحمته بكافة الخلق، والصلاة بالأنبياء، وسيادة ولد آدم، ورد الشمس بمشاهدة العالم، وقلب الأعيان، وإبراء الأكمة في العيان، وغير ذلك من المعجزات، والآيات البينات، التي لا تعد ولا تحد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا ما دار فلك، وسبح ملك، وذر شارق وغرب، وغرد حمام وأطرب، وما دامت الدنيا والأخرة، وألبسه من تعظيمه حلله الفاخرة، وآتاه الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وبعه مقاما محمودا، وأهدى إليه منا كل وقت سلاما جديدا. PageV01P108
أما بعد:
فإنه لا منة علينا لأحد بعد الله كما لهذا النبي الكريم، ولا فضل لبشر سواه علينا كفضله العميم، إذ به هدانا الله إلى الصراط المستقيم، ووقانا من حر نار الجحيم.
قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128)) [التوبة: 128].
به حصلت لنا مصالح الدنيا والأخرة، وأسبغ الله علينا نعمه باطنة وظاهرة، وبصرنا بعد العمى، وهدانا بعد الضلال، وعلمنا بعد الجهل، وبه إن شاء الله نرجو الأمن بعد الخوف.
اختبأ لنا دعوته شفاعة لنا يوم القيامة، وسأل الله لنا ما لا تبلغه أمنيتنا من أنواع الكرامة، فكيف نقوم بشكره؟! أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره!
فلذلك ولما له عند الله من المرتبة العلية أوجب علينا تعظيمه وتوقيره ونصرته ومحبته والأدب معه، فقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) [الفتح: 8 - 9].
وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: 40].
وقال تعالى:/ (النبي أولى بالمؤمنين من أنسهم) [الأحزاب: 6].
وقال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين PageV01P109 # يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3)) [الحجرات: 2 - 3].
وقال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56)) [الأحزاب: 56]
وقال تعالى: (وإن تظاهروا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا (4)) [التحريم: 4].
وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) [آل عمران: 164].
ومن تأمل القرآن كله وجده طافحا بتعظيم عظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن الله تعالى كما أخذ علينا لنفسه مع التصديق به وبوحدانيته واجبات:
في قلوبنا: من التعظيم والإجلال والمهابة والخوف والرضى والتوكل والشكر.
وفي ألسنتنا: من الثناء والذكر والحمد والقراءة.
وفي جوارحنا: من الصلاة وغيرها من الواجبات. كذلك أوجب لنبيه مع التصديق به وبرسالته واجبات:
في قلوبنا: من التوقير والعظيم والمحبة،
وفي ألسنتنا: من الصلاة والشهادة في الأذان والصلاة والخطبة،
وفي جوارحنا: بأن نقدمه على أنفسنا ونبذل مهجنا بين يديه، إلى غير ذلك مما أوجبه الله له، هذا زيادة على ما يجب بتبليغه من جهة الرسالة، PageV01P110 # فإن ذلك عام في كل رسول من حيث الرسالة، وهذا قدر زائد تعظيما لخصوصه زيادة على التبليغ.