بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العلامة المجتهد المطلق، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، لسان الأمة، حجة الله على أهل زمانه، والداعي إليه في سره وإعلانه، بقلمه ولسانه، قامع المبتدعين، بقية المجتهدين، خصم المناظرين، أحد أولياء الله الصالحين: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي تغمده الله برحمته:
الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المعبود في أرضه وسمائه، المقدس بصفاته وأسمائه، المنفرد بعظمته وكبريائه، القاهر بجبروته وعلائه، الواحد الأحد الذي لا أول لأزليته ولا آخر لبقائه، الرب الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يشركه أحد في قضائه، الحي وقد حكم على كل أحد بفنائه، العالم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء في حالتي ظهوره وخفائه، القادر فكل الممكنات تحت طوعه مسخرة لأمره ودعائه، الحكيم الذي أتقن ما صنع فسبحانه من إله تحار العقول في بحار آلائه.
أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأسبل من عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها وأستودعه إياها ليوم لقائه. PageV01P103
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم أنبيائه، وصفوة رسله وأمنائه، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وكاشف الكرب والغمة، المخرج بإذن الله إلى النور من الظلمة، المبتعث بالهدى والحكمة، والمؤيد بما بشر به من الكفاية والعصمة.
شرف الله قدره على سائر الخلائق، وأخذ من الأنبياء على نصرته العهود والمواثق.
حبيب الله وخليله، وأمينه على وحيه ورسوله، أكرم الخلق على ربه، والموعود النصر لحزبه، لولاه ما خلقت شمس ولا قمر، ولا كان للدنيا عين ولا أثر.
الدعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والواجب تعظيمه والصلاة عليه على جميع الألسنة، من وجبت نبوته وآدم بين الروح PageV01P104 # والجسد، وكان اسمه مكتوبا على العرش مع الفرد الصمد، ورفع الله ذكره/ فلا يذكر إلا ذكر معه، وجعل شريعته ناسخة لجميع الشرائع، فلو كان موسى وعيسى حيين لاقتدى به كل منهما وتبعه.
المنصور بالرعب مسيرة شهر، والباقي كتابه بقاء الدهر، المخصوص بالدعوة العامة وكان النبي يبعث إلى قومه، وصاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن والده ووالده وأمه. PageV01P105
بيده لواء الحمد، وآدم ومن دونه تحت لوائه، وأول من تنشق عنه الأرض إذا بعث الأموات، وإمام الأنبياء وخطيبهم إذا خشعت للرحمن الأصوات.
صاحب الصدر المشروح، والإمداد بالملائكة والروح، والمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، المطهر من كل دنس وعيب، والمبجل عن كل شك وريب، لم يزل نورا يتنقل في الأصلاب والجباه، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، فنسبه أطهر الأنساب وأعظمها، وأرفعها عند الله والخلق وأكرمها، مبرأ من أنكحة الجاهلية الفاسدة والسفاح، محفوظا بكلاءة الله في عقودها الصحاح، حتى طلع بدرا منيرا تنكست الأصنام لطلعته، PageV01P106 # وأفل داعي الشرك لبعثته. وأتى كمال دائرة الوجود وقطبه، وصفوة العالم ولبه، من أنفس القبائل وهو أنفسها، وأرأس الشعوب وهو أرأسها، كاملا في ذاته وصفاته، محفوظا في حركاته وسكناته، معصوما في جلواته وخلواته، مدعوا عند قومه بالأمين، مقبلا بقلبه وقالبه على عبادة رب العالمين.
يسلم عليه قبل مبعثه الحجر ويظلله الغمام، ويتوسم فيه كل من له علم أنه رسول الملك العلام. PageV01P107