المسألة السادسة
وقع في الفتاوى أن رجل تخاصم هو زوجته، بسبب زوجته الأخرى، فقال للمخاطبة: أنت وإياها طالق ثلاث ولم يعلم بنيته، فهل يقع الثلاث، على كل واحدة؟ أم لا يقع على كل واحدة إلا طلقتان، لأنه المتيقن؟.
فقد ألح السائل، في طلب الجواب.
الجواب (الحمد لله)
أما المخاطبة، فتطلق ثلاثا، ظاهرا وباطنا، ولا يقبل منه خلاف ذلك، ولاينوى، لأن أنت مبتدأ، وطالق خبر، وثلاث تفسير، وإن كان قد لحن برفعه.
وأما الأخرى، فتطلق ثلاثا، إلا أن يكون له نية بدون الثلاث، فتقبل PageV01P153 # ويدين، وإنما قلنا هذا، لأن قوله: وإياها ظاهره، أن الواو عاطفة، وأنه وضع الضمير المنصوب موضع الضمير المرفوع، كأنه قال: وأنت، وحينئذ يكون خبره محذوفا، يدل عليه خبر الأول، كأنه قال: أنت كذلك، أو وأنت طالق ثلاثا.
ويحتمل أن تكون الواو واو مع، وضمير النصب في موضعه، كأنه قال: أنت معها طالق ثلاثا، كقولك: أنت وزيدا قائم، كأنك قلت أنت قائم مع زيد، فالمعنى أنت طالق ثلاثا معها، والمعية محتملة، ظاهرها الثلاث وويحتمل ما دونها.
فإن فسر رجع إليه، وإما بطلقتين على ما نواه، فإن لم يكن له نية طلقت ثلاثا كالأولى. PageV01P154
ولو أنه قال لهما: أنتما طالقان ثلاثا، فظاهره أن كلا منهما تطلق ثلاثا ووله أن ينوي توزيعها، عليهما للاحتمال، وإنما قلنا الظاهر الأول، لأن الضمائر عامة، فمدلولها كل فرد لا المجموع، وهي محتملة المجموع. PageV01P155
المسألة السابعة
وقع في ((فتاوى)) / قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين، أن الإنسان إذا عزم على معصية، فإن كان قد فعلها ولم يتب منها، فهو مؤاخذ بهذا العزم لأنه إصرار.
وقد أشكل كون العزم إصرار مطلقا.
والذي كان يتوهم المملوك أن الإصرار هو الدوام على فعل المعضية، أو العزم المستصحب من حين الفعل، أما لو ترك الذنب والعزم على فعله، بأن نسيه بالكلية، ثم خطر له أن يفعله مع عدم تذكره لما وقع منه (ف) أن لا يكون إصرارا. PageV01P156
فهل مراده القسم الأول، أو كلامه أعم من ذلك؟
والمسئول بيان ذلك وبيان حقيقة الإصرار ماهو؟
وبيان العزم المستقر من غيره؟
والخواطر التي تعرض ولا تستقر، وما الذي يؤاخذ به دون غيره؟
هل الاستغفار يمحص الذنب بمفرده أم لابد من ضم شيء إليه من الأركان التي ذكرها الفقهاء.
وهل يصح أن كون العبد نادما على المعصية، خوفا من الله تعالى، مصرا عليها حتى يشترط الندم، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود؟ فقد أشكل PageV01P157 # هذا جدا.
الجواب (الحمد لله)
نحتاج إلى تقدم قاعدتين: إحداهما فيما يؤخ به من قصد المعصية، والذي يقع في النفس، من ذلك خمس مراتب، أولها: الهاجس وهو ما يلقى فيها، ثم جريانه فيها وهو الخاطر، ثم حديث النفس، وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا؟ ثم الهم وهو: ما يرجح قصد الفعل، يقال: هممت بالأمر إذا قصدته بهمتي.
ثم العزم، وهو قوة ذلك القصد، والجزم به، فإن العزم في اللغة الجد PageV01P158 # وعقد القلب، فالهاجس لا يؤخد به إجماعا، لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له عليه، ولاصنع.
والخاطر الذي بعده، كان قادرا على دفعه، بصرف الهاجس أول وروده ولكنه هو وما بعده من حديث النفس مرفوعان بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها/ مالم تعمل به أو تتكلم))