مقدمة
طريق الهجرتين وباب السعادتين: للإمام العلامة شيخ الإسلام محمد بن أبى بكر بن سعد بن جرير الزرعى ابن قيم الجوزية
خطبة الكتاب للمؤلف
الحمد لله الذى نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججا، وحجب العقول والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجا وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا، وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة مخرجا، وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا، وجعل قلوب أوليائه متنقلة من منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجا فسبحان من أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذى كتبه، أن رحمته تغلب غضبه. أسبغ على عباده نعمه الفرادى والتوءام، وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار والعيون والأنهار والضياء والظلام، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره فى دار السلام، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125] ، فسبحان من {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} [الكهف: 1] ، ورفع لمن ائتم به فأحل حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه فى مراقى السعادة درجا، ووضع قهره على من أعرض عنه ولم يرفع به رأسه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من غيره، فجعله فى دركات الجحيم متولجا، فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه، وعهده الذى من استمسك به فاز ونجا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا سمى له ولا كفو له ولا صاحبة له ولا ولد ولا شبيه له ولا يحصى أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه، شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجا، ولم يدع إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين. أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل
وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره وجعل الذلة و [الصغار] على من خالف أمره. فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة. وكثر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد العيلة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغى وفتح برسالته أعينا [عميا] وآذانا صما وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد فى الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فلم يدع خيرا إلا دل أمته عليه ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه. ففتح القلوب بالإيمان والقرآن، وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان. فدعا إلى الله على بصيرة، وسار فى الأمة- بالعدل والإحسان وخلقه العظيم- أحسن سيرة، إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها. وسارت دعوته سير الشمس فى الأقطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. واستجابت لدعوته الحق القلوب طوعا وإذعانا، وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا، فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء، وسلم تسليما كثيرا.