فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام، واقتضاه أكمل اقتضاء، في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة، مع ذكر الفاعل في أهل السعادة، وحذفه في أهل الغضب. وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال.
وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة، والغضب والضلال. فذكر
المغضوب عليهم والضالين في مقابلة المهتدين المنعم عليهم. وهذا كثير في القرآن: يقرن بين الضلال والشقاء، وبين الهدى والفلاح. فالثاني كقوله:
2: 5 أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون وقوله:
6: 82 أولئك لهم الأمن وهم مهتدون والأول كقوله تعالى: 54:
47 إن المجرمين في ضلال وسعر وقوله: 2: 7 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، ولهم عذاب عظيم وقد جمع سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله: 20: 124 فإما يأتينكم مني هدى، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى فهذا الهدى والسعادة. ثم قال:
20: 125 من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: رب لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى
فذكر الضلال والشقاء.
فالهدى والسعادة متلازمان. والضلال والشقاء متلازمان.
فصل
</span>
وذكر الصراط المستقيم منفردا، معرفا تعريفين: تعريفا باللام، وتعريفا بالإضافة. وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد. وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها، كقوله: 6:
153 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فوحد لفظ الصراط وسبيله. وجمع السبل المخالفة له.
وقال ابن مسعود: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون «1» »
وهذا لأن PageV01P018
الطريق الموصل إلى الله واحد. وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه. لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق. ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد. فإنه متصل بالله، موصل إلى الله، قال الله تعالى:
15: 41 هذا صراط علي مستقيم قال الحسن معناه: صراط إلي مستقيم. وهذا يحتمل أمرين: أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض، فقامت أداة «على» مقام «إلى» والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى. وهو الأشبه بطريق السلف. أي صراط موصل إلي وقال مجاهد «1» : الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء.
وهذا مثل قول الحسن وأبين منه. وهو من أصح ما قيل في الآية. وقيل:
«على» فيه للوجوب، أي علي بيانه والدلالة عليه. والقولان نظير القولين في آية النحل. وهي: 16: 9 وعلى الله قصد السبيل والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أن السبيل القاصد- وهو المستقيم المعتدل- يرجع إلى الله، ويوصل إليه قال طفيل الغنوي:
مضوا سلفا، قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلب
أي ممرنا عليهم، وإليهم وصولنا. وقال الآخر:
فهن المنايا: أي واد سلكته ... عليها طريقي، أو علي طريقها
فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة «إلى» التي هي للانتهاء، لا أداة «على» التي هي للوجوب. ألا ترى أنه لما أراد الوصول PageV01P019