الرد على من يقول: أنا لا أنظر لشهوة بل لعبرة
فهم لها عاكفون بقلوبهم. وصاحب الفجور الذي قد قضى شهوته، وفرغ قلبه، ولم يجعل تلك الصورة تمثالا بين قلبه وبين الله، أحسن حالا منهم.
فليتدبر اللبيب هذه اللطيفة، وليصرخ إلى مقلب القلوب ومصرفها أن يثبت قلبه على دينه، ويصرفه على طاعته.
وقد ثبت في الصحيح (¬1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "العينان تزنيان وزناهما النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". فجعل لكل عضو من هذه الأعضاء زنا يخصه، فكيف يتقرب إلى الله بزنا العين؟
وإن قال الناظر: أنا لا أنظر لشهوة بل لعبرة.
قيل له: فلم نهاك الله عن النظر، وأمرك بغض البصر؟
وقيل له: أما ما دامت النفس حية، والشيطان موجودا، والطباع على حالها، فكلا.
وقيل له: صاحب الشرع أعلم بأحكام هذا النظر منك، حيث يقول: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الأخرى" (¬2). PageV01P222
وقيل له: الشيء متى كان في نفسه مفسدة، أو داعية إلى المفسدة، فإن الشارع يحرمه مطلقا حكمة منه وصيانة وشفقة وحمية.
وقيل له: كم قد هلك قبلك من هالك بهذا الظن الفاسد، ظن أنه ينظر عبرة، فأوقعه نظره في أعظم الحسرة، كما قيل (¬1):
وأنا الذي جلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
وقال آخر (¬2):
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
قلت: ولي من قصيدة (¬3):
يا مرسلا لسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
أرسلت طرفك ترتاد الشفاء فما ... وافى رسولك إلا رائد العطب PageV01P223
من مفاسد السماع: تشبه الرجال بالنساء
سرعة تأثير الصوت والصورة في النفوس الضعيفة
ولاسيما النفوس التي فيها رقة ولطافة ورياضة، فإن الصوت والصورة أسرع تأثيرا فيها من النار في يابس الحطب، حتى إنها لتتقوت بذلك أحيانا. وبهذا رضي الشيطان من هذه الطائفة، فإنه (¬1) لم يبال بعد أن أوقعهم فيما يفسد قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، أن لا يشغلهم بجمع الأموال وطلب الجاه والولايات، فإن فتنة أحدهم بذلك أعظم من فتنته بهذه الأمور، فإن جنس هذه الأمور مباح، وقد يستعان بها على طاعة الله، وأما ما شغل به هؤلاء نفوسهم، فإنه دين فاسد منهي عنه، مضرته راجحة على منفعته.
ولو لم يكن في هذا السماع من المفسدة إلا تشبه الرجال بالنساء، فإن الغناء في الأصل إنما جعل للنساء، ولذلك ما شرع منه في الأعراس والأعياد إنما شرع للنساء والجواري والصغار والولدان الحديثي الأسنان، فإذا تشبه بهم الرجل كان مخنثا، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المخنثين من الرجال (¬2). وكذلك من يحضرون في السماع من الشاهد فيهم من التخنيث بقدر ما تشبهوا به من أمر النساء، وعليهم من اللعنة بقدر نصيبهم من ذلك التشبه. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراج المخنثين ونفيهم، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم" (¬3)، فكيف بمن يقربهم ويعظمهم ويتعبد قلبه بهم، ويجعلهم طواغيت يعظمون بالباطل الذي PageV01P224