ومن كمال نعمته وتمام رحمته أن جعل في الأمة من يعرف ما خفي على الآخر من الصواب، وكذلك هذا أيضا قد يخفى عليه الصواب في شيء آخر، ويعرفه ذلك. فمجموع الحق عند مجموع الأمة.
ووقوع مثل هذا التأويل ممن وقع منه من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان، صار من أسباب المحنة التي امتحن الله بها عباده، وفتنهم بها، وصار فتنة لطائفتين:
طائفة اتبعتهم على ذلك وقلدوهم فيه، معرضين عما أمرهم الله ورسوله من اتباع الحق، وحمل التعصب لكثير من أتباعهم على أنهم لم يقفوا عند الحد الذي وقف أولئك عنده وانتهوا إليه، بل اعتدوا في ذلك، وزادوا زيادات لم تصدر من تلك الأئمة، ولو رأوا من يفعلها ويستحلها لأنكروا عليه غاية الإنكار.
وطائفة أخرى علموا تحريم ما أحله أولئك الأئمة بالتأويل، ووضحت لهم فيه السنة، فاعتدوا على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم، وتبعهم مقلدون لهم، فزادوا في الذم واعتدوا، ولم يقفوا عند الحد الذي انتهى إليه من قلدوه. PageV01P206
مسألة السماع وما حصل فيها من الاختلاف
والقول الوسط والصراط المستقيم بين هذا وهذا: معرفة المراتب وإعطاء كل ذي حق حقه، واتباع القول الموافق لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعذر من خالفه مجتهدا متأولا.
واعتبر ذلك بمسألة السماع التي وقع فيها النزاع، فإن الله سبحانه شرع للأمة من السماع ما أغناهم به عما لم يشرعه، حيث أكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام دينا، وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة وخارجها مجتمعين ومنفردين، حتى كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدا يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: "يا أبا موسى ذكرنا ربنا" (¬1).
فلما انقرضت القرون الفاضلة حصلت فترة في هذا السماع المشروع الذي به صلاح القلوب وسعادة الدارين، وصار أهل الفتور فيه أحد رجلين:
رجل أعرض عن السماع المشروع وغير المشروع، فأورثه ذلك قسوة، وفوات حظه من حقائق الإيمان وأذواقه ومواجيده.
ورجل أقبل على سماع الأبيات والقصائد، وجعل شربه وذوقه منها.
والرجلان منحرفان، وخير منهما وأصح سماعا من جعل سماعه وذوقه ووجده من الآيات. PageV01P207