لماذا ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تحسين الصوت بالقرآن؟
ونظير من قال: إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله، دل على فضيلة المال! ثم يحتج بذلك على جواز إنفاق المال واستحبابه في غير سبيله. ونظيره قول من يقول: إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء، ثم يحتج بذلك على جواز ما لم يأمر به من ذلك! وكذلك كل ما يعين على طاعة الله ومحابه ومراضيه، ولا يدل ذلك على أنه في نفسه محمود على الإطلاق، حتى يحتج على أنه محمود حال كونه معينا على غير طاعة الله من البدع والفجور والمعاصي.
إذا ثبت هذا فتحسين الصوت ندب إليه، وحمد الصوت الحسن لما تضمنه من الإعانة على ما يحبه الله من سماع القرآن، ويحصل به من تنفيذ معانيه إلى القلوب ما يزيدها إيمانا، ويقربها إلى ربها، ويدنيها من محابه. فالصوت الحسن بالقرآن منفذ لحقائق الإيمان، معين على إيصالها إلى القلوب، فكيف يجعل نظير الصوت الحسن بالغناء الذي ينبت النفاق في القلب؟ وأخف أنواعه وأقلها شرا ما وضعته الزنادقة يصدون به الناس عن القرآن. فالصوت الحسن من هذا ينفذ حقائق النفاق والفجور والفسوق إلى القلب، ولهذا يظهر في الأفعال وعلى اللسان. فالسماع الشيطاني الذي يتقرب به أهله إلى الله، ينفذ الصوت الحسن فيه حقائق النفاق إلى القلب، والسماع الآخر الذي يعده أهله لهوا ولعبا، ينفذ ما يكرهه الله من شهوات الفسوق إلى القلب، فالاعتبار بحقائق المسموع، والصوت الحسن آلة ومنفذ. PageV01P194
قول صاحب الغناء: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوتين: صوت ويل عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة، ومفهوم الخطاب يقتضي إباحة غيرهما في غير هاتين الحالتين
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" إما أن يريد به الحض على أصل الفعل أو على صفته، وقد يصح أن يرادا معا
فصل
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" إما أن يريد به الحض (¬1) على أصل الفعل، وهو نفس التغني به، أو على صفته وهو أن يكون تغنيه إذا تغنى به لا بغيره. وهذا نظير ما حمل عليه قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49]، هل هو أمر بأصل الحكم أو بصفته إذا حكم؟ فيه قولان. ونظيره أمره - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء في السجود، هل هو أمر بأصل الدعاء؟ أو المعنى: إذا دعوتم فاجعلوا دعاءكم في السجود، فإنه قمن أن يستجاب لكم (¬2).
فقوله: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، إن أريد به الحض على نفس الفعل كان ذما لمن ترك التغني به، وإن أريد به المعنى الثاني، وهو أنه إذا تغنى فليتغن بالقرآن، كان ذما لمن تغنى بغيره، لا لمن ترك التغني به، وبين المعنيين فرق ظاهر، وقد يصح أن يرادا معا، وأنه ذم من ترك التغني به ومن تغنى بغيره. والله أعلم.
فصل
* قال صاحب الغناء (¬3): صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صوتان PageV01P195