ما نقل عنه يدل على أنه من اللعب واللهو الباطل، لا أنه قربة وطاعة
قول صاحب القرآن: لا يعرف إباحة الغناء عن ابن جريج وأهل مكة
قول صاحب الغناء: وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، منها أن ابن جريج كان يرخص في السماع
الفاحش على الأئمة المشهورين صنعة جهلة الكذابين، فلو أن واضع هذه الحكاية نسبها إلى من ليس في الشهرة والإمامة والجلالة كمالك لأمكن أن يخفى ويروج على الجهال، وأما على إمام دار الهجرة فسبحانك هذا بهتان عظيم.
فصل
* قال صاحب الغناء (¬1): وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، روي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع، فقيل له: إذا أتي بك يوم القيامة ويؤتى بحسناتك وسيئاتك، ففي أي الجانبين يكون السماع؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات. يعني أنه من المباحات.
* قال صاحب القرآن: ليس ابن جريج وأهل مكة ممن (¬2) يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم خلاف ذلك. ثم هذه الحكاية وأمثالها هي إلى أن تكون حجة عليكم أقرب من كونها حجة لكم، فإنه قال: يكون السماع لا في الحسنات ولا في السيئات، فجعله بمنزلة اللعب واللهو الباطل، الذي أحسن أحواله أن لا يكون للعبد ولا عليه، ومع هذا فلابد أن ينقص من حسناته. ولم يجعله ابن جريج ولا أحد قبل هذه الطائفة دينا وقربة وصلاحا للقلوب، ويفضله على سماع القرآن من وجوه متعددة، بل غاية ما يحكى عمن يرخص فيه أنه جعله بمنزلة الغناء والضرب بالدف للنساء في العرس وأيام الأعياد وعند قدوم PageV01P179
الباطل من الأعمال ما ليس فيه منفعة، ويرخص فيه لبعض النفوس بقدر معين في بعض الأوقات
الغائب، وهو مع ذلك باطل، كما في الحديث الذي في السنن: أن امرأة نذرت أن تضرب لقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدف ففعلت، فلما جاء عمر أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت، وقال: "إن هذا رجل لا يحب الباطل" (¬1). وسمى الصديق غناء الجويريتين [مزمور الشيطان، وأقره - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وإنما رخص فيه] (¬2) لمكان صغرهما وكونه يوم عيد، وخلو ما تغنيان به من آلات المعازف وغناء الألحان والطرابات (¬3)، ولم يقل: هو قربة وطاعة وملح للقلوب، بل قد ثبت عنه في الصحيح (¬4) أنه قال: "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق".
ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يرخص PageV01P180