مفاسد السماع
لا يبيحه أحد من المسلمين، ولا يستحسنه إلا من خلع جلباب الحياء والدين عن وجهه، وجاهر الله ورسوله ودينه وعباده بالقبيح، وسماع مشتمل على مثل هذه الأمور قبحه مستقر في فطر الناس، حتى إن الكفار ليعيرون به المسلمين ودينهم.
نعم خواص المسلمين ودين الإسلام براء من هذا السماع، الذي كم حصل به من مفسدة في العقل والدين والحريم والصبيان، فكم أفسد من دين، وأمات من سنة، وأحيا من فجور وبدعة، وكم هدم به من مرضاة الله ورسوله، وبني به من مساخطه ومساخط رسوله، ولا إله إلا الله كم جلب من شرك، وأخفى من توحيد، وكم فيه من فتح لطرق الشيطان، وصد عن سبيل الله وعن الإيمان، وكم أنبت في القلب من نفاق، وغرس فيه من عداوة لدين الله وشقاق، وكم وقع فيه من رقية للزنا والحرام، وتسهل به من طريق إلى ما كرهه الله من المعاصي والآثام، وكم قرت به للشيطان وحزبه من عيون، وتقرحت به لأولياء الله وحزبه من جفون، وكم مالت به الطباع إلى ما حرمه الله ورسوله عليها، وكم سكرت به النفوس فعربدت بالمحارم، وانقادت قسرا إليها.
وأرباب الخبرة من أهله يعلمون أن سكر السماع للأرواح، أعظم من سكر الأبدان والنفوس بشرب الراح، وأن لسكر الشراب يستفيق صاحبه عن قريب، وسكر السماع إذا تمكن من الروح لم يبق لها في الإفاقة نصيب. فلو سألت الطباع ما الذي خنثها، وذكورة الرجال ما الذي أنثها، لقالت: سل السماع فإنه رقية الزنا وحاديه، والداعي إلى PageV01P018
من أعظم مفاسده ثقل استماع القرآن على قلوب أهله
ذلك ومناديه.
هذا، ولو (¬1) لم يكن فيه من المفاسد إلا ثقل استماع القرآن على قلوب أهله، واستطالته إذا قرئ بين يدي سماعهم، ومرورهم على آياته صما وعميانا، لم يحصل لهم منه ذوق ولا وجد ولا حلاوة، بل ولا يصغي أكثر الحاضرين أو كثير منهم إليه، ولا يقومون معانيه، ولا يغضون أصواتهم عند تلاوته. فإذا جاء السماع الشيطاني خشعت منهم الأصوات، وهدأت الحركات، ودارت عليهم كؤوس الطرب والوجد، وحدا حينئذ حادي الأرواح إلى محل السرور والأفراح.
فلغير الله لا لله كم من عيون تسكب غرب مدامع، لم تفض (¬2) بقطرة منها نفس عند تلاوة كلام الرحمن، وكم من شوق ووجد ولهيب أحشاء لا يوجد منه شيء عند ذكر رب العالمين، ولا يثور ويتحرك إلا عند سماع المبطلين:
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي
وأتى الغناء فكالدباب تراقصوا ... والله ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونغمة شاهد ... فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي
والرقص خف عليهم بعد الغنا ... يا باطلا قد لاق بالأشباه PageV01P019