إجماع الأمة على تحريم ذلك
موسى: "لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك"، فقال: "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا" (¬1). وقال: "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (¬2).
ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ القرآن بألحان الغناء، ويقرن به من الألحان وآلات اللهو ما يقرن بالغناء، حتى ولا عند من يقول بإباحة ذلك في الشعر، بل المسلمون مجمعون على تحريمه، وطرد دليلك جواز ذلك، بل هو بعينه يقتضيه.
فإنك (¬3) قلت: إذا جاز سماع الأشعار بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان، هذا ظاهر من الأمر، هذا نص دليلك، فهل يمكنك طرده، وتقول: إذا جاز سماع القرآن بغير الألحان الطيبة جاز سماعه بها، إذ لا يتغير الحكم؟ فإن قلت ذلك خالفت إجماع الأمة، وبطلت، وإن قلت: لا يلزم من جواز استماعه بدون الألحان الطيبة جواز اقترانه واستماعه بها، أبطلت دليلك. فقد تبين PageV01P155
الفصل الثاني: تعاطيها على وجه اللهو والمجون وعلى وجه القربة والطاعة كما يدعيه أهل السماع
فصل: الرد على المقدمة الثانية
بطلانه على التقديرين.
فصل
وأما المقدمة الثانية وهي قولك: إن ما أوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات وتذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات، ويحمله على التحرز من الزلات، ويؤدي إلى قلبه من صفاء الواردات، فهو مستحب في الدين ومختار في الشرع.
فنقول في تحقيق هذه المقدمة: إن الله سبحانه يحب الرغبة فيما أمر به، والحذر مما نهى عنه، ويحب أهل الإيمان بوعده ووعيده، ويحب القائمين بمحابه من خشيته ورجائه (¬1) والإنابة إليه والتوكل عليه، وسائر ما يحبه ويرضاه من عبده ظاهرا وباطنا، ويحب السماع الذي يحصل محبوبه، فإن الوسائل إلى المحبوب محبوبة، والوسائل إلى المسخوط مسخوطة.
فهذه المقدمة التي ذكرتها أيها السماعاتي مبناها على أصلين:
أحدهما: معرفة ما يحبه الله سبحانه.
والثاني: أن سماع الغناء يحصل محبوب الله خالصا أو راجحا، فإنه إذا حصل محبوبه ومكروهه، والمكروه أغلب، كان مذموما وإن كان محصلا لمحبوب ما. وإن تكافأ المحبوب والمكروه فيه لم يكن محبوبا ولا مكروها. PageV01P156