تمثل الصحابة بالشعر وإنشادهم له وتراجزهم به في الحرب
وأنشده - صلى الله عليه وسلم - أنس بن زنيم الديلي يوم فتح مكة قصيدة يمدحه بها، فعفا عنه بعد أن أهدر دمه، يقول فيها:
تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد (¬1)
وأنشده فروة بن نوفل بن عمرو (¬2) لما قدم عليه:
بان الشباب فلم أحفل به بدلا ... وأقبل الشيب والإسلام إقبالا
فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى تسربلت للإسلام سربالا
وتمثل الصديق - رضي الله عنه - بالشعر، وتمثلت به الصديقة ابنته، وعمر بن الخطاب، وعثمان وعلي وبلال وأبو الدرداء وعمرو بن العاص.
وقيل لأبي الدرداء: ما لك لا تشعر؟ فإنه ليس رجل له بيت في الأنصار إلا وقد قال شعرا، قال: وأنا قلت، ثم أنشد:
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا (¬3)
وقال أبو هريرة: لما وفدت على النبي - صلى الله عليه وسلم - قلت في الطريق: PageV01P150
يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت (¬1)
وكانت امرأة سوداء من الصحابة، وكانت مقيمة في المسجد، كلما تحدثت قالت:
وبوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر نجاني (¬2)
ولما نعي لمعاوية عبد الله بن عامر والوليد بن عقبة أنشد:
إذا سار من خلف امرئ وأمامه ... وأفرد من جيرانه فهو سائر (¬3)
وأنشد خبيب عند موته تلك الأبيات المعروفة التي يقول فيها:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع (¬4)
وأنشد أبو بكر عند قدومه المدينة:
كل امرئ مصبح في رحله ... والموت أدنى من شراك نعله (¬5) PageV01P151
وجه ذم الشعر ومدحه
وأنشد بلال كذلك وهو محموم:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل تبدون لي شامة وطفيل (¬1)
وكان الصحابة يتناشدون الأشعار بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتبسم (¬2). وأنشد حسان فى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمر به عمر بن الخطاب فجعل يلحظه، فقال: لقد أنشدت فيه وفيه من هو خير منك، يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسكت عمر (¬3). وهذا باب أوسع من أن نستقصيه.
وقد كان الصحابة يرتجزون في الحرب، وكان يحدى بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشعر في الحل والحرم، وكانوا ينشدون الشعر وهم محرمون. وقد أخبر الله سبحانه أن من الشعراء من يؤمن بالله ويعمل صالحا ويذكر الله كثيرا، وهؤلاء ثنية الله من الشعراء، فلم يذم هؤلاء، بل مدحهم على انتصارهم من بعدما ظلموا. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" (¬4). فذم الجوف الممتلئ بالشعر الذي اشتغل به صاحبه عما فيه سعادته من العلم والإيمان والقرآن، وذكر الله كثيرا، فإن الجوف إذا امتلأ بذلك لم يمتلئ من الشعر. ولهذا قال الشافعي -رحمه الله-: الشعر كلام، PageV01P152