ذم استماع القول الذي هو الغناء
، كما قال تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون} [النجم: 59 - 61]. قال غير واحد من السلف (¬1): هو الغناء، يقال: سمد لنا أي غنى لنا. PageV01P131
فذم المعرضين عن سماع القرآن المتعوضين عنه بسماع الغناء، كما هو حال السماعاتية المؤثرين لسماع المكاء والتصدية على سماع القرآن، المتعوضين عنه بسماع الغناء.
وهو نظير الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وقال غير واحد من السلف (¬1) في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6]: إنه الغناء.
الوجه التاسع (¬2): أنكم معاشر السماعاتية المحتجين بهذه الآية لا تستحسنون استماع كل منظوم ومنثور، بل أنتم من أعظم الناس كراهة لما لا تحبونه من الأقوال منثورها ومنظومها، وأشدهم نفرة عن ذلك، ونفوركم عما لا تحبونه وتهوونه من الأقوال أعظم من نفور المنازع لكم عن سماع المكاء والتصدية، فهلا أدخلتم الأقوال التي تخالف أهواءكم وما تحبونه في القول الذي أثنى الله على من استمعه واتبع أحسنه؟ هذا مع أنه قطعا أحسن من أقوال المغنين وأنفع للقلب في الدنيا والآخرة، ولكن ذنب هذا القول مخالفته لهواكم وما ابتدعتموه.
فإن كان العموم في الآية مرادا فقد بطلت حجتكم، وإن لم يكن مرادا فقد بطلت أيضا، فتبين بطلان استدلالكم على التقديرين، وبالله التوفيق. PageV01P132
علق الله الهداية على اتباع أحسن القول، والهداية تحصل بالقرآن لا بالغناء
الأقوال التي ذمها الله في القرآن
الوجه العاشر (¬1): أنه سبحانه قال: {فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18]، فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه، ومن المعلوم أن كثيرا من القول بل أكثره ليس فيه حسن فضلا عن أن يكون أحسن، بل غالب القول يكب قائله في النار على منخره.
والأقوال التي ذمها الله في كتابه أكثر من أن تعد، كالكلام الخبيث، والقول الباطل، والقول عليه بما لا يعلم القائل، والكذب، والافتراء، والغيبة، والتنابز بالألقاب، والتناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتبييت ما لا يرضى من القول، وقول العبد بلسانه ما ليس في قلبه، وقوله ما لا يفعله، وقول اللغو، وقول ما لم ينزل به سلطانا، والقول المتضمن للشفاعة السيئة، والقول المتضمن للمعاونة على الإثم والعدوان (¬2)، وأمثال ذلك من الأقوال المسخوطة والمبغوضة للرب تعالى، التي كلها قبيحة لا حسن فيها ولا أحسن.
فادعاء العموم في الآية في غير القول الذي أنزله الله على رسوله من الكتاب والسنة من أبطل الباطل.
الوجه الحادي عشر (¬3): أنه سبحانه علق الهداية على اتباع أحسن PageV01P133