خطاب أمثاله لإقامة الحجة عليهم
صفة المعرض عنها
صفة من ينتفع بهذه الفتوى
يركض في ميدان جهله مع الجاهلين، وكلما برز عليهم في ذلك الميدان ظن أنه من السابقين.
فهذا وأمثاله إنما يطمع في خطابهم لإقامة الحجة، لا للاستجابة والانقياد، كيف وأحدهم {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} [البقرة: 206]. وإذا تليت عليهم آيات الله، وقرئت عليهم سنة رسوله وكلام أصحابه وأئمة الإسلام، قالوا: لكم الشريعة ولنا الحقيقة، إنكم في واد ونحن في واد! نعم في وادي الويل والثبور، وحقيقة الأماني الكاذبة والغرور، وتالله ليعلمن المبطلون إذا بعثر ما في القبور، وحصل (¬1) ما في الصدور، حقيقة ما كانوا عليه، وسوء عاقبة ما صاروا إليه، فعن قريب ينكشف الغطاء، وينجلي الغبار، ويعلم كل أحد أفرس تحته أم حمار (¬2). PageV01P009
الفصل الأول: بيان حكمها في الشريعة
وجوب الرد إلى الله والرسول عند التنازع
فصل: الكلام في هذه المسألة في فصلين
(2) تعاطيها على وجه اللهو والمجون وعلى وجه القربة والطاعة كما يدعيه أهل السماع
(1) بيان حكمها في الشرع
فصل
والكلام في هذه المسائل المسؤول عنها في فصلين:
الفصل الأول: في بيان حكمها في الشريعة، وهل هو التحريم أو الكراهة أو الإباحة، أو ما يقوله (¬1) المفترون الكاذبون من الاستحباب والفضيلة.
الفصل الثاني: أن تعاطيها على وجه اللعب والخلاعة واللهو والمجون شيء، وتعاطيها على ما يقوله الكاذبون المفترون من أنها قربة وطاعة وطريق تقربهم إلى الله وتوصلهم إليه وتجمع قلوبهم عليه شيء.
ونحن نتكلم بعون الله وتوفيقه وإمداده على كل واحد من الفصلين بما ييسره الله ويفتح به، فإنه الفتاح العليم.
فأما الفصل الأول:
فقال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]. وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد مماته. فأمر سبحانه عباده المؤمنين أن يردوا ما تنازعوا فيه إليه PageV01P010 # وإلى رسوله، وخاطبهم أولا بلفظ الإيمان، ثم جعل آخرا الإيمان شرطا في هذا الرد، فالإيمان يوجب عليهم هذا الرد، وينتفي عند انتفائه، فمن لم يرد ما تنازع فيه هو وغيره إلى الله ورسوله لم يكن مؤمنا.
وتأمل قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} كيف أعاد الفعل وهو طاعة الرسول، ليدل أنه يطاع استقلالا، وإن أمر بما ليس في القرآن الأمر به، ونهى عما ليس في القرآن النهي عنه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يعد الفعل في طاعة أولي الأمر، بل جعلها ضمنا وتبعا لطاعة الرسول، فإنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول إذا أمروا بما أمر به، ونهوا عما نهى عنه، لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه.
ثم قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، ولم يقل "وإلى الرسول" إعلاما بأن ما رد إلى الله فقد رد إلى رسوله، وما رد إلى رسوله فقد رد إليه سبحانه، وأن ما حكم به فقد حكم به رسوله، وما حكم به رسوله فهو حكمه سبحانه.
وقال: {فإن تنازعتم في شيء}، وهذا يعم دقيق ما تنازع فيه المسلمون وجليله، لا يخص شيئا دون شيء، فمن ظن أن هذا في شرائع الإسلام دون حقائق الإيمان، وفي أعمال الجوارح دون أعمال القلوب وأذواقها ومواجيدها، أو في فروع الدين دون أصوله وباب الأسماء والصفات والتوحيد = فقد خرج عن موجب الآية علما وعملا وإيمانا.