ضلال المتأخرين في تنزيل أبيات الغزل على محبة الله والشوق إليه
فضل السلف في معرفة الحقائق الإيمانية
ومن ههنا يعرف مقادير السلف، وفضل معرفتهم، وأنهم في أوج الحقائق الإيمانية، وهؤلاء في حضيضها، إذ يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" (¬1). صح ذلك عنه. فأين هذا الكلام من كلام من يقول: سماع الغناء أنفع للمريد من سماع القرآن من ستة أوجه أو سبعة؟ ولا ريب أن هذا القائل أخبر عن ذوقه وذوق هذا المريد، وأنه من سماع الغناء لا من سماع القرآن.
فإذا كانت هذه مفسدة هذا السماع الخاص الذي يحضره الخواص، فما الظن بسماع العوام؟ نعم سماعهم خير من هذا، وأسلم عاقبة، وأخف ذنبا، فإنهم يعدون أنفسهم فيه عصاة لاعبين، ويعترفون بأنه ذنب تنبغي التوبة منه، كما قيل:
ويشربها ويزعمها حلالا ... وأشربها وأزعمها حراما (¬2)
فيا عجبا أي إيمان يثمر من سماع أبيات طالما عصي الله بها في الأرض؟ والأغلب من حال قائلها أنه قالها وتغزل بها في محرم، كما هو حال أكثر الشعراء الذين يتغنى بأشعارهم، سيما وقد غلب على PageV01P062 # سماع الناس التغزل بالذكور، وذكر محاسنهم، وما يدعو إلى ما لعن الله عليه فاعله وغضب عليه، وكان غناء الناس قديما كله في الإناث، ثم خسف الله بعقول المتأخرين وقلوبهم، فصار غناؤهم في الذكور، ووصف محاسنهم وقدودهم وشعورهم وخصورهم. فيا عجبا! أي إيمان وأي حال صحيح يحدث عند سماع قول المغني المليح الصورة أو المليحة بين تلك المواصيل والدفوف والألحان؟
تبت يدا عاذلي فيه ووجنته ... حمالة الورد لا حمالة الحطب (¬1)
وقوله (¬2):
ذهبي اللون تحسب من ... وجنتيه النار تنقدح
خوفوني من فضيحته ... ليته وافى وأفتضح
وقوله (¬3):
يا ذا الذي زار وما زارا ... كأنه مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا ... ما ضره لو دخل الدارا PageV01P063 # فيتواجد عليها المريد، ويبكي وينوح، ويزعم أنه أخذ منها إشارة. نعم أخذ إشارة (¬1) من أبيات يغضب الله ما قيلت فيه وما أريد بها، ولم يأخذ الإشارة من كلامه، فلولا داء كامن في القلب أثاره السماع، لكان الأمر بالعكس. وكذلك قول الآخر (¬2):
ألا ما للمليحة لم تزرني ... أبخل بالمليحة أم صدود
مرضت فعادني عواد قومي ... فمالك لم تري فيمن يعود
وقول الآخر (¬3):
ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومعاطف جلت يمين الغارس
مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس
وقول الآخر (¬4):
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق
نعم صدق الواشون أنت حبيبة ... إلي وإن لم تصف منك الخلائق
أفترى الواشين كانوا يشون بأنه يحب امرأته وجاريته؟ وإنما تلك الأغاني في حريم الناس وأبنائهم، ومدح ما حرم الله من الخمر، PageV01P064