ومنهم من يحتج بحديث بنات النجار، وأنهن ضربن بالدف أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). PageV01P005
والمسؤول من السادة العلماء تبيين ذلك كله وإيضاحه، وتعريف الصراط المستقيم، وفرضنا السؤال وفرضكم الجواب، قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43]، وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187]. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (¬1). PageV01P006
مقدمة المؤلف
الحمد لله، الكلام في هذه المسألة وتوابعها، وبيان مرتبتها في الشريعة، ومنزلتها عند سادات العارفين، وتأثيرها في القلوب خيرا أو شرا، وفي الإيمان زيادة أو نقصا، ومباينتها لطريق السالكين إلى الله تعالى العاملين على مرضاته، أو موافقتها لها، إنما ينتفع به من حكم كلام الله ورسوله وأصحابه وأئمة الإسلام والهداة الأعلام، وألقى السمع إلى كتاب الله وسنة رسوله وهو شهيد، وجانب طريق كل مبتدع في دين الله، مطبوع على قلبه جبار عنيد، قد حكم في ذوقه ووجده وحاله حكم الله ورسوله، وانقاد إليه، وجعل دينه وما جاء به مشربه الذي يرده ويحوم عليه، قد ارتضع من ثدي الوحي وما انفصل عنه بفطام، واقتبس النور من مشكاته فاستنار به في سدف الظلام، قد هجر البطالين، وهاجر بقلبه إلى الله ورسوله، وهجر وابتكر إلى محابه ابتغاء مرضاته وجهادا في سبيله.
فطوبى له من وحيد على كثرة الجيران، غريب مع اقتراب الأوطان، أخي سفر على أنه مقيم بين الأطلال، وعابر سبيل لم يثن عزمه طيب الثمار وبرد الظلال، قد تعلقت همته بالمطلب الأعلى، فلم يقنع بالدون، وباع أنفاسه الدنيا بتلك الأنفاس العلى لا كبيع الخاسر المغبون، رفع له علم السعادة فشمر إليه، واستبان له طريق الوصول إلى المطلب الأعلى فقام واستقام عليه، أجاب منادي الإيمان إذ نادى به حي [على] الفلاح، وبذل نفسه في مرضاة محبوبه بذل المحب بالرضا والسماح، وعلم (¬1) أنه لابد له من لقائه فواصل إليه السرى PageV01P007 # والسير بالغدو والرواح، فحمد عند الوصول مسراه، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح (¬1).
فأما من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه وبصره فأصمه وأعماه، وأعرض عن الناصح بعد ما بذل له جهده في نصيحته وعاداه، وجعل أغلاط من لم تضمن له العصمة في أفعاله وأقواله إمامه وقدوته التي بها هداه، فهو في سجن نفسه وإرادته محبوس، وقلبه لما علاه من رين كسبه المبعد له عن ربه أسود منكوس، فالطريق الموصل له إلى الله عنه مسدود، وقلبه عن النفوذ إليه محجوب ومصدود. قد أسام نفسه مع الأنعام راعيا مع الهمل، واستطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل. استوعر طريق الصادقين، واستسهل طريق المبطلين، فذاك الذي ينادى من مكان بعيد، وإذا بالغت معه في النصيحة فإنما تضرب في بارد الحديد، قد اتخذ بطر الحق وغمط أهله سلما إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه، فلا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو خالف هواه، يستطيل على ورثة الرسول وحزبه بقلبه ولسانه، ويتحيز إلى المبطلين الباطلين، فهم أخص شيعته وأعوانه، قد ارتوى من مشربهم وتضلع (¬2)، واستشرف إلى منازل أولياء الله المقربين وتطلع، فهو PageV01P008