{بسم الله الرحمن الرحيم}
رب يسر وأعن يا كريم
صورة استفتاء كتب في سنة أربعين وسبعمائة، لأمر أوجب ذلك، وسئل عنه أئمة أهل العلم والدين، فأجابوا عنه، لا أخلى الله الوجود من عدول العلم وحملته، الذين يبينون للناس ما أنزل إليهم من ربهم، ويعتصمون بطريقة نبيهم، فإنما يهلك الناس إذا صاروا شرعا واحدا، وصنفا واحدا، لا يتفاضلون في علم ولا دين، فإذا قبض أهل العلم والدين، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صار حينئذ المعروف ما ألفته النفوس واشتهته، وصار هو العوائد، وصار المنكر ما لم يعتده الإنسان، وإن كان قد يكون عند الله هو الدين الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، فحينئذ تخرب الأرض، وتقوم الساعة. فنعوذ بالله من مضلات الفتن، ونسأل الله أن يقينا شرور أنفسنا. آمين. PageV01P003
صورة الاستفتاء
ما تقول السادة العلماء -أحسن الله توفيقهم- في السماع الذي يشتمل على الدف والشبابة وآلات اللهو والطرب، أو التصفيق بالكف، ونحوه من اللهو، مثل التغبير ونحوه، ويحضر [ه] الرجال والنساء، فربما اختلطوا بعضهم ببعض، فربما جلس النساء مقابل الرجال، فينظرون إليهم (¬1)، وهم يرقصون على صوت الشبابات والدفوف والغناء، ويزعمون أن ذلك قربة تقربهم إلى الله، ويزيد في أذواقهم ومواجيدهم الإيمانية، وأن من رقص غفر له، يقول ذلك بعضهم، وأن من أنكر ذلك عليهم محجوب ليس من أهل الحقيقة، بل هو من أهل القشور وهم أهل اللباب، وربما قالوا: نحن وصلنا إلى ما لم يصل إليه الفقهاء، وربما ارتفعت بينهم الأصوات، والشخير والنخير والزعقات، وربما أظهروا أشياء يسمونها إشارات، كإخراج اللاذن (¬2) والدم، وملابسة النار، ومسك الحيات، ويزعمون أن هذه كرامات وأحوال، وأنهم يدعون بها الناس إلى الله، ويقولون: لنا الحقيقة ولغيرنا الشريعة.
فهل هذه أفعال طاعة وقربة دين شرعه الله لعباده، ورضيه منهم، كما يزعمه هؤلاء القوم، أم لا؟ وهل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا من ذلك أم لا؟ PageV01P004
وما يجب على من نسب ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واتخذه دينا؟ وهل هذا من الحق أم من الباطل؟ وهل هذه طريقة أولياء الله وحزبه وأتباع رسوله أم طريقة أهل اللهو واللعب والباطل؟ وهل يسوغ الإنكار على هؤلاء، ويثاب من ينكر عليهم بيده أو قلبه أو لسانه أم لا؟ وهل ذلك من المنكر الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (¬1)؟
ثم إن هؤلاء القوم منهم من يقول: إن هذا السماع قربة يتقرب بها، ومنهم من يقول: إنه مباح، وربما قال أصحاب هذا القول: إن الشافعي هو الذي قد قال بإباحة السماع، فهل قال الشافعي بإباحة ذلك أم لا؟
ومنهم من يقول: هو ذنب صغير يمحوه الاستغفار، يقول ذلك وهو مصر على فعله، لزعمه أن الاستغفار الذي يمحوه هو مجرد نطقه بالاستغفار من غير أن يقلع بقلبه عنه، فهل هذا الاستغفار يزيل هذا الذنب من غير عزم بقلبه على تركه أم لا؟
ومنهم من يحتج على ذلك وأنه مباح بحديث الحبشة الذين لعبوا في المسجد بالحراب، وعائشة تنظر إليهم من وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2).