بسم الله الرحمن الرحيم
فائدة أخرى من كلام الشيخ، الإمام، العالم، مفتي المسلمين، ناصر السنة المحمدية، أبي عبد الله، شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن [أيوب]، الزرعي، الحنبلي، [الشهير بابن قيم الجوزية]، تغمده الله برحمته آمين؛ قال:
الحمد لله، أما حديث الغمامة؛ فلم يروه البخاري ولا مسلم ولا
أحد من أصحاب الصحيح، وإنما رواه الترمذي في ((جامعه))؛ فقال: PageV01P021
حدثنا الفضل بن سهل أبو العباس الأعرج البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى [الأشعري] عن أبيه؛ قال:
خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به ولا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء؛ فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة [أسفل] من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل؛ قال: أرسلوا إليه. فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه؛ فقال: انظروا إلى PageV01P022 فيء الشجرة مال عليه. [قال]: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه؛ فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم؛ فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا. فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: [إنما] اخترنا خيرة لك لطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه؛ هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه. وأقاموا معه، قال: أنشدكم الله؛ أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده [الراهب] من الكعك والزيت.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).
فهذا الحديث لا يعرف إلا بهذا السند، وهو حديث منكر جدا من وجوه: PageV01P023
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في هذه المرة إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر ثلاث عشرة سنة.
قال أبو عمر بن عبد البر: ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه في تجارة إلى الشام سنة ثلاث عشرة من الفيل، فرآه بحيرا الراهب؛ فقال: احتفظوا به؛ فإنه نبي، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد، فرآه نسطور الراهب وقد أظلته غمامة؛ فقال: هذا نبي، وذلك سنة خمس وعشرين)).
وقال محمد بن سعد في ((طبقاته)): أنبأنا محمد بن عمر حدثني محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين؛ قالوا:
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج به أبو طالب إلى الشام في العير التي خرج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرا؛ فقال لأبي طالب في السر ما قال، وأمره أن يحتفظ به أبو طالب معه؛ فرده إلى مكة. PageV01P024