ذكر فتح المدرسة المستنصرية
في جمادي الآخرة، تكامل بناء المدرسة المستنصرية التي أمر بانشائها الخليفة المستنصر بالله، وكان الشروع فيها في سنة خمس وعشرين وستمائة، وأنفق عليها أموال كثيرة، فركب نصير الدين ابن الناقد نائب الوزارة في يوم الاثنين خامس عشر جمادي الآخرة وقصد دار الخلافة واجتاز بها إلى دجلة، ونزل في شبارة من باب البشرى مصعدا إلى الدار المستجدة المجاورة لهذه المدرسة، وصعد إليها وقبل عتبتها ودخلها وطاف بها ودعا لمالكها، وكان معه استاذ الدار مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي، وهو الذي تولى عمارتها، ثم عاد متوجها إلى داره في الطريق التي جاء بها وخلع على استاذ الدار وعلى أخيه أبي جعفر وعلى حاجبه عبد الله بن جمهور وعلى المعمار والفراشين المرتبين في الدار المذكورة المستجدة وعلى مقدمي الصناع، ونقل في هذا اليوم إلى المدرسة من الربعات الشريفة والكتب النفيسة المحتوية على العلوم الدينية والأدبية ما حمله مائة ستون حمالا، وجعلت في خزانة الكتب، وتقدم إلى الشيخ عبد العزيز شيخ رباط الحريم بالحور بالمدرسة واثبات الكتب واعتبارها، وإلى ولده العدل ضياء الدين أحمد الخازن بخزانة كتب الخليفة التي في داره أيضا فحضر واعتبرها ورتبها أحسن ترتيب مفصلا لفنونها ليسهل تناولها ولا يتعب مناولها.
وفي بعض هذه الأيام، حضر الخليفة هناك، وحضر الشيخ عبد العزيز بين يديه وسلم عليه، وأعقب دعائه بأن تلا قوله تعالى (تبارك الذي أن شاء جعل لك من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا) فبدأ خشوع الخليفة وتقاطرت دموعه.
وفي يوم الخميس خامس شهر رجب، حضر نصير الدين نائب الوزارة وسائر الولاة والحجاب والقضاة المدرسون والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء وجماعة من أعيان التجار الغرباء إلى المدرسة، وتخير لكل مذهب من المدارس وغيرها اثنان وستون نفسا، ورتب لها مدرسان ونائبا تدريس، أما المدرسان فمحيي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيى بن فضلان الشافعي ورشيد الدين أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني الحنفي، وخلع على كل واحد منهما جبة سوداء وطرحة كحلية وأمطي بغلة بمركب جميل وعدة كاملة، وأما النائبان فجمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن أبن يوسف بن الجوزي الحنبلي، ونيابة عن ولده لأنه كان مسافرا في بعض مهام الديوان، والآخر أبو الحسن علي المغربي المالكي وخلع على كل واحد منهما قميص مصمت وعمامة قصب، ثم خلع على جميع المعيدين وهم لكل مذهب أربعة خلعا بالحكاية، ثم خلع على المتولين للعمارة والصناع والحاشية وعلى المعينين للخدمة بخزانة الكتب، وهم الشمس علي بن الكتبي الخازن والعماد علي بن الدباس المشرف والجمال ابراهيم بن حذيفة المناول، ثم مد سماط في صحن المدرسة أجمع فكان عليه من الاشربة والحلواء وأنواع الأطعمة ما يجاوز حد الكثرة فتناوله الحاضرون تعبئة وتكويرا ثم أفيضت الخلع على الحاضرين من المدرسين ومشايخ الربط والمعيدين بالمدارس والشعرا والتجار الغرباء، ثم أنشد الشعراء المدائح فيها وفي منشئها: فممن أورد العدل أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد المدائني الفقيه الشافعي:
ما مثل الفلك العظيم لمبصر ... في الأرض قبل أيالة المستنصر