بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ميز مقادير الرتب، وقنن القوانين حتى لا يبقى سبيل لمن عتب، وبين قدر عظماء السلاطين بقدر معرفة من خاطب عنهم له عن كثب.
نحمده لما رزق من فواضل زادت محاسن العلوم، وعرفت تفاوت درجات الأولياء إذ قالوا: وما منا إلا له مقام معلوم، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة يعلو بها الإسلام ولا يعلى عليه، ويعنو لها وجه كل متكبر متكثر بقليل ما لديه، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أقرب من دنا مقاما من ربه، وأشرف من غزا الملوك بكتائبه، ودعاهم إلى الله بكتبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وبعد. قد أغري أهل الفضل بحب التمام، وطبع كل رقيق الشمائل على الظماء إلى موارد الأدب الجمام، ولم يبق من لم يصرف إليه الاهتمام، أو ولع بالري ولوع الصب وكلف بالسجع كلف الحمام. وكان على الألسنة أني لم أطلع هذه الشعوب، وعدى وهو جزع شأو القارح اليعبوب، فذكرت بالدستور الذي كنت عملته في عنفوان الصبا بالأبواب السلطانية بديوان الإنشاء، وقربت منه لكل قاصر قصر الرشاء، وكنت كتبت: PageV01P013
يا طالب الإنشاء خذ علمه ... عني فعلمي غير منكور
ولا تقف في باب غيري فما ... تدخله إلا بدستوري
وألحوا علي في المسألة في الوقوف عليه، وفتح أبواب الأفهام المقفلة بالنظر إليه؛ وكان مما حالت دونه الأيدي الغاصبة، ومانعت عنه الأيام الغالبة، فقلت: أيها الشغف بي اسمع بي ولا ترني، وأيها الكلف بهذا الفن هذا زمانك إني قد مضى زمني! ولو تركت هذا الفن الذي أصبح الولع به مرضا، وهذا الفضل الذي ما عدت رأيت جوهره إلا عرضا، وشغلت نفسك بسوى هذا من العلم النافع والعمل الصالح، لكان أعود عليك، وأقر لك وأقرب إليك! فأبى إلا أن يكلفني غرامة ذلك الضائع، ويريد مني رد تلك الودائع. هذا وقد خلعت ذلك الرداء المعار، ومات سلطاننا - رحمه الله - وزال الشعار، وقد أهملت هذا الفن حتى نسيته، وزدت على سائلي في الجهل به أو أواسيه. ثم لم أجد لي راحة من دوام مطالبته إلا بأن أضع له دستورا، وأحرق خاطري له في التذكر لما فات وإن كنت لا أجد إلا فتورا. وسألته عن أربه لأعمل على مقتضى إرادته، وأدأب فيما يحصل به قدر إفادته، فاقترح أن أجعله لما يحتاج إليه في ذلك الديوان المباشر، ويكون له كالمعلم الحاضر، والجليس
المباصر. وقد أتيت به على وفق اقتراحه، وملأته سرورا به وقت راحه؛ وأتيت فيه بزيادات على ما في الأول أين تلك منها، وإعادات في تلك العادات لو حصلت الآن لأعرض عنها، ومحاسن حسنت السماح بما بخل به العاجز الشحيح، وأمسكه بيده ولو وجد مع هذا PageV01P014 لم يكن إلا كالطريح. وهيهات لا ينهض العاجز، ولا يتفتق الذهن المحجوب وبينه وبين ما جهد له ألف حاجز، وسميته: (التعريف بالمصطلح الشريف)، وجعلته سبعة أقسام:
الأول: في رتب المكاتبات.
الثاني: في عادات العهود، والتقاليد، والتفاويض، والتواقيع، والمراسيم، والمناشير.
الثالث: في نسخ الأيمان.
الرابع: في الأمانات، والدفن، والهدن، والمواصفات، والمفاسخات.
الخامس: في نطاق كل مملكة وما هو مضاف إليها من المدن والقلاع والرساتيق.
السادس: في مراكز البريد، والحمام، ومراكز هجن الثلج، والمراكب المسفرة به في البحر، والمناور، والمحرقات.