ومنهم:
$ 57- القاسم «1» بن فيرة «2» بن خلف بن أحمد أبو محمد، وأبو القاسم الرعيني «3» الشاطبي «4» المقرئ الضرير
أحد الأعلام، والمتحدي بمعجزة في شاطبيته «5» على علماء الإسلام، والفرد بلا نظير على كثرة الأنام، ولا شبيه (ص 141) يطمع أن يرى مثله حتى ولو «6» في المنام، المبصر قلبه لأن القرآن نوره، والإيمان مشكاة فهمه إذا اشتبهت أموره،
الذي قل من لا استقى من بحره، أو اغترف غرفة بيده من نهره «1» ، أو جاء بعده من القراء مجيد إلا وقصيدته" حرز الأماني" تميمة «2» معلقة على نحره.
ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وقرأ ببلده القراءات، وأتقنها، ثم ارتحل إلى بلنسية- وهي قريبة من شاطبة- فعرض بها القراءات والتفسير من حفظه، وسمع الحديث، وارتحل ليحج «3» ، واستوطن مصر، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وقصده الطلبة من النواحي، وكان إماما علامة
ذكيا كثير الفنون «1» ، منقطع القرين، رأسا في القراءات، حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، واسع العلم، قد سارت الركبان بقصيدتيه" حرز الأماني" و" عقيلة أتراب القصائد" اللتين «2» في القراءات والرسم، وحفظهما خلق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء وكبار البلغاء، وحذاق القراء، فلقد أبدع «3» وأوجز، وسهل الصعب «4» . وقرأ عليه بالروايات عدد كثير.
قال الأبار في تاريخه: تصدر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء «1» ، وكان موصوفا بالزهد والعبادة، والانقطاع، ومن شعره: [مجزء الكامل]
قل للأمير نصيحة ... لا تركنن إلى فقيه
إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه
وعاش اثنتين وخمسين سنة، وتوفي بمصر في خامس عشر من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة.
(ص 142) ومنهم:
(58) «2»
علي بن «3» عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب أبو الحسن الهمداني السخاوي
«4» علم الدين المقرئ المفسر النحوي شيخ القراء بدمشق في
زمانه «1» إلا أنه مما جاز الغرب دينار شمسه، وهنأ موضع منشئه، ثم ضن بكوكبه الدري أن يهيئ له موضع رمسه، ما أهدى لغرب مثل نسيمه الخفاق، ولا أمد الشرق في نهاره المتدفق شبيه نهره الدفاق، ولا قر هنا في قراره الغرب حتى كادت تتجاذبه الآفاق، لقد سخت سخا منه بما يعذر فيه الشحيح، ويحذر في مثله آفة ذي الفهم الصحيح، وصعد إلى السماء فجنى النجوم زهرات، وظهر على السحاب فرمى البروق زفرات، ووطئ جبهة الأسد وداس، وذل الجبل فما ارتفع له راس،، وغطس في البحر، فجاء بما لا قدر عليه قبله ابن غطاس.
ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمس مائة، وقدم من" سخا" فسمع الحديث، وأخذ القراءات عن الشاطبي «2» ، وأبي الجود اللخمي «3» وغيرهما، واقتصر في إسناد القراءات عليهما، وأقرأ الناس نيفا وأربعين سنة، وقرأ عليه خلق كثير بالروايات، وكان إماما كاملا، ومقرئا محققا، ونحويا علامة، مع بصره بمذهب الشافعي «4» ، ومعرفته بالأصول، وإتقانه للغة، وبراعته في التفسير، وإحكامه لضروب الأدب، وفصاحته بالشعر، وطول باعه في النثر مع الدين والمروءة والتواضع، واطراح التكلف، وحسن الأخلاق، ووفور الحرمة، وظهور
الجلالة، وكثرة التصانيف «1» ، وكان من أفراد العالم، ومن أذكياء بني آدم، حلو النادرة، مليح المحاورة، ومن شعره: [السريع]