كم
". وإن ورد دون قد فقيل: هي معه مقدرة. وهو مذهب المبرد، والفراء، وقوم من النحويين. وقيل: لا حاجة إلى تقديرها. وهو الأظهر.
وكلام الزنخشري يدل على أن التقريب لا ينفك عن معنى التوقع. وكذلك قال ابن مالك في التسهيل: فتدخل على فعل ماض متوقع، لا يشبه الحرف، لتقريبه من الحال. وقال ابن الخباز: إذا دخل قد على الماضي أثر فيه معنيين: تقريبه من زمن الحال، وجعله خبرا منتظرا. فإذا قلت: قد ركب الأمير، فهو كلام لقوم ينتظرون حديثك. هذا تفسير الخليل.
الثالث: التقليل. وترد للدلالة عليه، مع المضارع. نحو: إن البخيل قد يجود. وقال ابن إياز: يفيد، مع المستقبل، التقليل في وقوعه، أو في متعلقه. فالأول كقولك: قد يفعل زيد كذا، أي: ليس ذلك منه بالكثير. والثاني كقوله تعالى " قد يعلم ما أنتم عليه "، والمعنى، والله عز اسمه أعلم: أقل معلوماته ما أنتم عليه. قلت: والظاهر أن قد في هذه الآية للتحقيق، كما ذكره غيره.
ونازع بعضهم في إفادة قد لمعنى التقليل، فقال: قد تدل على
توقع الفعل، ممن أسند إليه. وتقليل المعنى لم يستفد من قد. بل لو قيل: البخيل يجود، فهم منه التقليل، لأن الحكم، على من شأنه البخل، بالجود إن لم يحمل على صدور ذلك قليلا كان كلام كذبا، لأن آخره يدفع أوله.
الرابع: التكثير. وهو معنى غريب. وقد ذكره جماعة، من النحويين، وأنشدوا عليه قول الشاعر:
قد أشهد الغارة، الشعواء، تحملني ... جرداء، معروقة اللحيين، سرحوب
ونحو ذلك من الأبيات الواردة في الافتخار.
قلت: وجعل الزمخشري منه قوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء ". ورام بعضهم استنباط هذا المعنى من كلام سيبويه. فإنه قال: وأما قد فجواب لقوله لما يقعل. ثم قال:
وتكون قد بمنزلة ربما. قال الهذلي:
قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأن أثوابه مجت، بفرصاد
كأنه قال: ربما. هذا نصه. فتشبيهه ب ربما يدل على أنها للتكثير.
وعكس ذلك بعضهم، فقال: بل تدل على التقليل، لأن ربما للتقليل. وسيأتي تحقيق معنى رب في بابها.
الخامس: التحقيق. وترد، للدلالة عليه، مع الفعلين: الماضي والمضارع. فمع الماضي نحو " قد أفلح المؤمنون ". ومع المضارع نحو " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ".
والحاصل أنها تفيد، مع الماضي، أحد ثلاثة معان: التوقع، والتقريب، والتحقيق. ومع المضارع أحد أربعة معان: التوقع، والتقليل، والتحقيق، والتكثير.