الثاني: لام الجحود. وهي اللام الواقعة بعد كان الناقصة المنفية الماضية لفظا، أو معنى. نحو: ما كان زيد ليذهب، ولم يكن زيد ليذهب. وسميت لام الجحود، لاختصاصها بالنفي. قيل: ولا يكون قبلها من حروف النفي إلا ما ولا دون غيرهما. قلت: الظاهر مساواة إن النافية لهما في ذلك.
وقد جعل بعضهم اللام في قوله تعالى " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " لام الجحود، على لا قراءة غير الكسائي وأجاز بعض النحويين وقوع لام الجحود بعد أخوات كان قياسا عليها. وأجاز بعضهم ذلك في ظننت. وقال بعضهم: تقع في كل فعل، تقدمه فعل منفي. نحو: ما جئت لتكرمني. والصحيح أنها لا تقع إلا بعد كان الناقصة، كما تقدم.
فإن قلت: ما هذه اللام التي في قوله:
فما جمع ليغلب جمع قومي ... مقاومة، ولا فرد لفرد
قلت: هي لام الجحود، وجمع اسم كان المحذوفة. أي: فما كان جمع، كما قال أبو الدرداء في الركعتين بعد العصر: ما أنا لأدعهما. أي ما كنت لأدعهما.
واعلم أن الخلاف في لام الجحود كالخلاف في لام كي. ففيها المذاهب الثلاثة. ومذهب البصريين أنه لا يجوز إظهار أن بعدها، بل يجب إضمارها. واختلف النقل عن الكوفيين، فحكى ابن الأنباري عنهم منع ذكر أن بعدها. وحكى غيره عنهم جواز ذكرها توكيدا.
تنبيه
</span>
مذهب البصريين أن لام الجحود تتعلق بمحذوف، هو خبر كان التي قبلها. والتقدير في قولك ما كان زيد ليفعل: ما كان زيد مريدا للفعل. قلت: تقديرهم مريدا يقتضي أن تكون اللام زائدة، مقوية للعامل، كاللام في نحو " فعال لما يريد ". ومذهب الكوفيين أن الفعل الذي دخلت عليه اللام هو خبر كان. ولا حذف عندهم.
قال بعض النحويين: وهذا الخلاف مبني على الخلاف السابق. فلما كان مذهب البصريين أن اللام جارة لمصدر منسبك، من أن
المقدرة والفعل، لزم عندهم أن يكون خبر كان محذوفا. ولما كانت اللام عند الكوفيين ناصبة كان الخبر هو نفس الفعل، واللام عندهم زائدة لتأكيد النفي. ولذلك أجازوا أن يتقدم معمول منصوبها عليها.
ورد أبو البقاء مذهب الكوفيين، بأن نصب الفعل إن كان باللام فليست بزائدة. ورد غيره بأن الخبر المحذوف قد سمع مصرحا به، في قول الشاعر: سموت، ولم تكن أهلا، لتسمو ولكن التصريح به في غاية الندرة.
وذكر ابن مالك أن لام الجحود هي المؤكدة لنفي في خبر كان ماضية لفظا أو معنى. فوافق الكوفيين على أن الفعل الذي
بعدها هو الخبر، ولم يجعلها ناصبة بنفسها، بل جعل أن مضمرة بعدها وفاقا للبصريين. فهو قول ثالث، مركب من المذهبين. وظاهر قوله المؤكدة يقتضي أنها زائدة، فلا تتعلق بشيء.
وصرح بذلك ولده في شرح الألفية، وقال - أعني ولده - في كلامه على هذا الموضع من تسهيل الفوائد: سميت مؤكدة لصحة الكلام بدونها، لا لأنها زائدة. إذا لو كانت زائدة لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح. وإنما هي لام الاختصاص، دخلت على الفعل، لقصد: ما كان زيد مقدرا، أو هاما، أو مستعدا لأن يفعل.
وقال صاحب رصف المباني ما ملخصه: إن هذه اللام هي لام العلة المذكورة قبل، وهي وما بعدها في موضع خبر كان المنفية. والمعنى في قولك ما كان عبد الله ليذهب: ما كان عبد الله للذهاب.
قلت: فهو على هذا من وقوع الجار والمجرور خبرا. قال بعضهم: من جعل لام الجحود لام كي فهو ساه.