المجلد الأول
مقدمات
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم محمد أيمن الشبراوي:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] . {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] ، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70, 71] .
فقد قدمت إلي "دار الحديث" بالقاهرة كتاب "سير أعلام النبلاء" لمؤرخ الإسلام الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المولود سنة ثمان وأربعين وسبعمائة "673ه-748ه". وطلبت مني تحقيقه وخدمته الخدمة العلمية اللائقة بهذا السفر العظيم لتيسير النفع به، وتقريبه إلى جماهير القراء.
ولما كان دأبي وديدني أن لا أشرع في القيام بأي عمل من الأعمال الدنيوية أو الدينية إلا بعد القيام بأداء صلاة الاستخارة؛ فقد استخرت الله -سبحانه وتعالى- لخدمة هذا الكتاب، وكان أن شرح الله صدري للقيام بهذا العمل، ويسر لي سبل تحقيقه وخدمته حتى أنهيت هذا الكتاب في فترة زمنية ليست بالكبيرة نافت على السنة كنت أواصل فيها الليل بالنهار لإنجاز
هذا العمل على النحو الذي يرضي جماهير العلماء وطلاب العلم بله المثقفين على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم العلمية. وكان ذلك كله بتيسير من المولى الكريم المنان سبحانه وتعالى، ثم بتذليل أصحاب "دار الحديث" السبل لتيسير إخراجه للناس.
وهذا السفر العظيم الذي نقدمه لجماهير القراء يعد من أعظم كتب التراجم التي تناولت كافة العصور إلى عصر المؤلف. وقد ترجم لكثير من الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها.
وشملت تراجم الخلفاء، والملوك، والأمراء، والوزراء, والأطباء، والمحدثين، والفقهاء, والنحاة، والشعراء، والزهاد، والفلاسفة، والمتكلمين إلا أنه قد عني بالمحدثين، وآثرهم على غيرهم لأنه كان عظيم الإكبار والإجلال لهم فهم حملة العلم النبوي، وحراسه الذين يميزون بين صحيح الأحاديث من ضعيفها، ومقبولها من مردودها، فضلا عن أن الكثير منهم من رواة الأحاديث، ودراسة أحوالهم، وبيان مواليدهم ووفياتهم، وشيوخهم وتلامذتهم، وآراء العلماء فيهم مما يترتب عليه دراسة أحوال الأسانيد والحكم عليها بالصحة أو بالضعف، ونحو ذلك.
وقد بلغت عدد التراجم للمترجمين في كتابه "5964" ترجمة. وقد كرر بعض هذه التراجم. وقد ترجم فيه للأعلام منذ بزوغ فجر الإسلام إلى سنة "739ه". وقد قسم كتابه إلى خمس وثلاثين طبقة. ولم يسر فيه على نسق واحد، فقد استوعبت الطبقة الأخيرة الخامسة والثلاثون ستة وثمانين عاما. بينما كان متوسط الطبقات بين خمسة عشر وستة عشر عاما. وبلغت بعض الطبقات تسع سنوات فقط مثل الطبقة السادسة عشرة. وقد ترجم الذهبي لبعض الملوك والأمراء وإخوتهم وأولادهم وذراريهم في موضع واحد وإن لم يكونوا من نفس طبقاتهم ليجعل القارئ متابعا للأحداث التي عادة ما تكون متصلة. وقد اتبع الذهبي أسلوبا خاصا في صياغة الترجمة؛ فبدأ باسم المترجم ولقبه وكنيته ونسبته، ثم يذكر تاريخ مولده.