مقدمة الشارح
الحمد لله رب العالمين قال شيخنا الأستاذ العالم الأوحد الحافظ العلامة أثير الدين أوحد العلماء العاملين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي أيده الله: الحمد لله المتفرد بشريف الاختراع، المتفضل بلطيف الاصطناع، الذي أوجد عالم الإنسان، محفوفا بمزايا الإحسان، مهيأ لإدراك العلوم، قابلا للمنقول منها والمفهوم، وجعل من أشرف المعارف، ما تحلى به جنان العارف، من علم النحو الذي هو المرقاة إلى فهم كتابه، والسبيل المؤدية إلى تعرف خطابه، والصلاة والسلام على المنتخب من جرثومة العرب، النامي من دوحة الحسب، السامي من أطهر نسب، محمد صلى الله وسلم عليه، وعلى آله المنتمين إليه، ما تبلج الزهر، وتأرج الزهر، والرضا عن صحبه مقتبسي أنواره، PageV01P005 # وملتمسي آثاره، ما أشرقت بالبدر الخضراء، وتشوقت للقطر الغبراء.
وبعد فإن كتاب (تسهيل الفوائد) في النحو لبلدينا أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني مقيم دمشق -رحمه الله- أبدع كتاب في فنه ألف، وأجمع موضوع في الأحكام النحوية صنف، فهو -كما قال مصنفه فيه- جدير بأن يلبي دعوته الألباء، ويجتنب منابذته النجباء. ولما كان مفرط الإيجاز، غريب الاصطلاح، حاشدا لنوادر المسائل، عرض فيه من الاستعجام، ما أدى إلى التأخر عنه والإحجام، فنبذه الناس بالعراء، واطرحوه اطراح واصل للراء، وأصبح حاليه عطلا، ومعلمه غفلا، وأنواره لا تتبلج، وأزهاره لا تتأرج، ولاستعصائه قلما قرأه أحد على مؤلفه، ولا تجاسر على إقرائه نحوي بعد موت مصنفه.
وكان -رحمه الله- كثيرا ما يعنى بتحريره، ويولع بتهذيبه وتغييره، فيزيد وينقص، وينقح ويلخص، فنسخت من هذا الكتاب نسخ تنافر مبناها، واختلف لفظها ومعناها، إلى أن عرض له -رحمه الله- أن يشرحه، ويفسره ويوضحه، فغير أكثر ما شرحه، ونظر إليه بعين العناية وتصفحه، وانتهى في شرحه إلى باب "مصادر غير الثلاثي"، وذلك أشف من نصفه، وعاقه عن إكماله محتوم حتفه. PageV01P006
فاستخرجت فص هذا الكتاب مما أودعه في الشرح إلى حيث انتهى، وجمعت على باقي الكتاب نسخا إليها في الصحة المنتهى؛ لأنها طرزت بخطه، وحررت بين يديه بضبطه، فثقفته حتى استقام مناده، وظفر بمطلوبه منه مرتاده. وأخذت في إقراء هذا/ الكتاب، أنبه حامله، وأنوه خامله، وأفتح مقفله، وأوضح مشكله، وأحيي منه ما كان مواتا، وأجدد ما عاد رفاتا.
وكان المانع من وضع كتاب يتضمن شرح جميعه وتكميله، واستدراك ما أغفل من الأحكام وتذييله، ومناقشته فيما حرر، والانتقاد لما فيه قرر، ما كان قد تقسم الخاطر من الاشتغال بالاكتساب، المزري بذوي المعارف والأحساب، وأنى يكمل انتحال، لمن توالى عليه أمحال، أو يتحصل إقبال، لمن تقسم منه البال. ومع ذلك فطالما سألني سائلون من أهل مصر والشام في شرح باقيه وتكميله، وانتقاده وتذييله، ليكون ذلك عجالة يحظى بها المستوفز، ويرضى ببلوغ موعودها المستنجز، وتجلو عرائسه في منصة التوضيح، وتبرز نفائسه من التلويح والتصريح. ومما خوطبت به من دمشق المحروسة كلمة، أولها:
تبدي، فخلنا وجهه فلق الصبح يلوح لنا من حالك الشعر في جنح
ومن آخرها:
إليك -أبا حيان- مني تحية يفوق شذاها مسك دارين في النفح