حلم الشيخ وعفوه عمن ظلمه
وسمعت الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يذكر أن السلطان لما جلسا بالشباك أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاه في قتل بعضهم
قال ففهمت مقصوده وأن عنده حنقا شديدا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير
فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم
قال فكان القاضي زيد الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكنا في السعي فيه ولما قدر علينا عفا عنا
ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين وعاد إلى بث العلم ونشره والخلق يشتغلون عليه ويقرأون ويستفتونه ويجيبهم بالكلام والكتابة والأمراء والأكابر والناس يترددون إليه وفيهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع
فقال قد جعلت الكل في حل مما جرى
وبعث الشيخ كتابا إلى أقاربه وأصحابه بدمشق يذكر ما هو فيه من النعم العظيمة والخير الكثير ويطلب فيه جملة من كتب العلم يرسل بها إليه وقال في هذا الكتاب
كتاب الشيخ إلى أقاربه بدمشق
تعلمون أنا بحمد الله في نعم عظيمة ومنن جسيمة وآلاء متكاثرة وأياد متظاهرة لم تكن تخطر لأكثر الخلق ببال ولا تدور لهم في خيال والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى إلى أن قال
والحق دائما في انتصار وعلو وازدياد والباطل في انخفاض وسفال ونفاد وقد أخضع الله رقاب الخصوم وأذلهم غاية الذل وطلب أكابرهم من السلم والانقياد ما يطول وصفه
ونحن ولله الحمد قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة وانقماع الباطل والبدعة وقد دخلوا في ذلك كله وامتنعنا حتى يظهر ذلك إلى الفعل فلم نثق لهم بقول ولا عهد ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولا ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم وقد أمد الله من الأسباب التي فيها عز الإسلام والسنة وقمع الكفر والبدعة بأمور يطول وصفها في كتاب وكذلك جرى من الأسبات التي هي عز الإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد أن كانوا قد استطالوا وحصلت لهم
شوكة وأعانهم من أعانهم على امر في ذل كبير من الناس فلطف الله باستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله وجرى في ذلك مما فيه عز المسلمين وتأليف قلوبهم وقيامهم على اليهود والنصارى وذل المشركين وأهل الكتاب مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين ووصف هذا يطول
وقد أرسلت إليكم كتابا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس وهي كراريس بخطي قطع النصف البلدي فترسلون ذلك إن شاء الله تعالى وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المزي فإنه يقلب الكتب ويخرج المطلوب وترسلون أيضا من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلدا وإلا فمن أوله مجلدا أو مجلدين أو ثلاثة وذكر كتبا يطلبها منهم
ولم يزل الشيخ مستمرا على عادته من الاشتغال بتعليم الناس ونفعهم وموعظتهم والاجتهاد في سبل الخير