بحث ثان جرى
إن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص
فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها فإنه يكون على جميع الصفات والشكر لا يكون إلا على الإحسان والشكر أعم من جهة ما به يقع فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل والحمد يكون بالفعل أو بالقول أو بالاعتقاد
أورد الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجى الحنبلي أن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر لأن كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته فلا يكون فرقا في الحقيقة والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها
فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية
المعاني على قسمين مفردة ومضافة فالمعاني المفردة حدودها لا توجد فيها بتعلقاتها وأما المعاني الإضافية فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات فإنها داخلة في حقيقتها ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلقات فتكون المتعلقات جزءا من حقيقتها فتعين ذكرها في الحدود
والحمد والشكر معينان بالمحمود عليه والمشكور عليه فلا يتم حقيقتهما ذكر إلا بذكر متعلقهما فيكون متعلقهما داخلا في حقيقتهما
فاعترض الصدر ابن المرحل بأنه ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية فلا يكون للحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية فإن المتعلق صفة نسبية والنسب أمور عدمية وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة لأن العدم لا يكون جزءا من الوجود
فقال الشيخ تقي الدين قولك ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية ليس على العموم بل قد يكون للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية وقد لا يكون وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية
ثم الصفات المتعلقة نوعان احدهما إضافة محضة مثل الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها فهذه الصفة هي التي يقال فيها هي مجرد نسبة وإضافة والنسب أمور عدمية والثاني صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها كالحب والبغض والإرادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات فإن الحب صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب فالحب
معروض للإضافة بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له لا أن نفس الحب هو الإضافة ففرق بين ما هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة فالإضافة يقال فيها إنها عدمية قال وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب
قال ابن المرحل الحب أمر عدمي لأن الحب نسبة والنسب عدمية
قال الشيخ تقي الدين كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمرا عدميا باطلا بالضرورة وهو خلاف إجماع العقلاء
ثم هو مذهب بعض المعتزلة في أرادة الله فإنه زعم أنها صفة سلبية بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره وأطبق الناس على بطلان هذا القول وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدا من العقلاء قال إنه عدمي
فأصر ابن المرحل على أن الحب الذي هو ميل القلب إلى المحبوب أمر عدمي وقال المحبة أمر وجودي
قال الشيخ تقي الدين المحبة هي الحب فإنه يقال أحبه وحبه حبا ومحبة ولا فرق وكلاهما مصدر
قال ابن المرحل وأنا أقول إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمي
قال له الشيخ تقي الدين الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى ووتم وكون الحب والبغض أمرا وجوديا معلوم بالاضطرار فأن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية فاذا صار محبا فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب ومن يحس ذلك من نفسه يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه