ويعلم البصير العالم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي رضي الله عنه حيث قال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم رحمتهم ورفقت عليهم أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون}
ومن كان عالما بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم وعلم أن من ابتغى الهدى من غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بعدا فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين
هذا آخر الحموية الكبرى وهي ست كراريس بقطع نصف البلدي
ألفها الشيخ رحمه الله قبل سنة سبعمائة وعمره إذ ذاك دون الأربعين سنة
ثم انفتح له بعد ذلك من الرد على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع ما لا يوصف ولا يعبر عنه وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة في كتبه وغير كتبه مع أقرانه وغيرهم في سائر أنواع العلوم ما تضيق العبارة عنه
وقد ذكرنا عن ابن الزملكاني فيما تقدم أنه قال ولا يعرف ناظر أحدا فانقطع معه
وقد رأيت بخط بعض أصحابه ما صورته
تلخيص مبحث
جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وبين ابن المرحل
كان الكلام في الحمد والشكر وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح والحمد لا يكون إلا باللسان
فقال ابن المرحل قد نقل بعض المصنفين وسماه أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد ومذهب الخوارج أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل وبنوا على هذا أن من ترك الأعمال يكون كافرا لأن الكفر نقيض الشكر فإذا لم يكن شاكرا كان كافرا
قال الشيخ تقي الدين هذا المذهب المحكى عن أهل السنة خطأ والنقل عن أهل السنة خطأ فإن مذهب أهل السنة أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل قال الله تعالى {اعملوا آل داود شكرا} وقام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا
قال ابن المرحل أنا لا أتكلم في الدليل وأسلم ضعف هذا القول لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة
قال الشيخ تقي الدين نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ فإن القول إذا ثبت ضعفه كيف ينسب إلى أهل الحق
ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر
يكون بالاعتقاد والقول والعمل وقد دل على ذلك الكتاب والسنة
قلت وباب وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن سجدة سورة (ص) سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا ثم من الذي قال من أئمة السنة إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد
قال ابن المرحل هذا قد نقل والنقل لا يمنع لكن يستشكل ويقال هذا مذهب مشكل
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية النقل نوعان أحدهما أن ينقل ما سمع أو رأى والثاني ما ينقل باجتهاد واستنباط وقول القائل مذهب فلان كذا أو مذهب أهل السنة كذا قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله وإن لم يكن فلان قال ذلك ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرا ألا ترى أن كثيرا من المصنفين يقولون مذهب الشافعي أو غيره كذا ويكون منصوصه بخلافه وعذرهم في ذلك أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه