ما كتبه العلماء في وفاة الشيخ
قال الشيخ علم الدين وفي ليلة الإثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ الزاهد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا الإمام المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني ثم الدمشقي بقلعة دمشق التي كان محبوسا فيها
وحضر جمع إلى القلعة فأذن لهم في الدخول وجلس جماعة قبل الغسل وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله ثم انصرفوا
وحضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن
واقتصر على من يغسل ويعين في غسله فلما فرغ من ذلك أخرج وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق وامتلأ الجامع وصحنه والكلاسة وباب البريد وباب الساعات إلى اللبادين والفوارة
وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام وصلى عليه أولا بالقلعة تقدم في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام ثم صلى عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الظهر وحمل من باب البريد واشتد الزحام وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام وكل باب أعظم زحمة من الآخر
ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام لكن كان المعظم من الأبواب الأربعة باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة
ومن باب الفراديس ومن باب النصر وباب الجابية وعظم الأمر بسوق الخيل
وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن وحمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله وكان دفنه وقت العصر أو قبلها بيسير
وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس أو من أعجزه الزحام
وحضرها نساء كثير بحيث حزرن بخمسة عشر ألفا وأما الرجال فحزروا بستين ألفا وأكثر إلى مائتي الف وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به
وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم وقيل إن الخيط الذي فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل دفع فيه مائة وخمسون درهما وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء وتضرع وختمت له ختم كثيرة بالصالحية والبلد
وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا ورؤيت له منامات كثيرة صالحة ورثاه جماعة بقصائد جمة
وكان مولده يوم الإثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة
وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير فسمع الحديث من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي والقاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي والشيخ جمال الدين ابن الصيرفي ومجد الدين بن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي والنجيب المقداد وابن أبي الخير وابن علان وأبي بكر الهروي والكمال عبد الرحيم والفخر علي وابن شيبان والشرف ابن القواس وزينب بنت مكي وخلق كثير
وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والأثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين واشتغل بالعلوم
وكان ذكيا كثير المحفوظ فصار إماما في التفسير وما يتعلق به عارفا بالفقه واختلاف العلماء والأصلين والنحو واللغة وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية وما تكلم معه فاضل في فن إلا ظن أن ذلك الفن فنه ورآه عارفا به متقنا له