بسم الله الرحمن الرحيم
حسبي الله ونعم الوكيل
قال الشيخ الإمام الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن احمد بن عبد الهادي المقدسي رحمه الله ورضي عنه وأثابه الجنة بفضله ورحمته وإيانا وسائر المسلمين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد فهذه نبذة يسيرة مختصرة في ذكر حال سيدنا وشيخنا شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس احمد بن تيمية رحمه الله ورضي عنه وأثابه الجنة برحمته وذكر بعض مناقبه وبعض مصنفاته
هو الشيخ الإمام الربابي إمام الأئمة ومفتي الأمة وبحر العلوم سيد الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ فريد العصر وقريع الدهر شيخ الإسلام بركة الأنام وعلامة الزمان وترجمان القرآن علم الزهاد وأوحد العباد قامع المبتدعين وآخر المجتهدين تقي الدين أبو العباس احمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني نزيل دمشق وصاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها
قيل إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء فرأى هناك طفلة فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتا فقال يا تيمية يا تيمية فلقب بذلك
قال ابن النجار ذكر لنا أن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها
ولد شيخنا أبو العباس بحران يوم الإثنين عاشر وقيل ثاني عشر [شهر] ربيع الأول سنة 661 ه احدى وستين وستمائة وسافر والداه به وبإخوته إلى الشأم عند جور التتار فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدواب فكاد العدو يلحقهم ووقفت العجلة فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به فنجوا وسلموا
وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين وستمائة فسمعوا من الشيخ زين الدين احمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي جزء ابن عرفة كله ثم سمع شيخنا الكثير من ابن أبي اليسر والكمال ابن عبد والمجد بن عساكر وأصحاب الخشوعي ومن الجمال يحيى بن الصيرفى وأحمد بن أبي الخير والقاسم الأربلي والشيخ فخر الدين بن البخاري والكمال عبد الرحيم وأبي القاسم بن علان واحمد بن شيبان وخلق كثير
وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ
وسمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء ومن مسموعاته معجم الطبرابي الكبير وعني بالحديث وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب وحفظ القرآن وأقبل على الفقه وقرأ العربية على ابن عبد القوى ثم فهمها وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو وأقبل على التفسير إقبالا كليا حتى حاز فيه قصب السبق وأحكم اصول الفقه وغير ذلك
هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وسرعة إدراكه
واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق وقال سمعت في البلاد بصبي يقال له احمد بن تيمية وأنه سريع الحفظ وقد جئت قاصدا لعلي أراه فقال له خياط هذه طريق كتابه وهو إلى الآن ما جاء فاقعد عندنا الساعة يجيء يعبر علينا ذاهبا إلى الكتاب فجلس الشيخ الحلبي قليلا فمر صبيان فقال الخياط للحلبي هذاك الصبي الذي معه اللوح الكبير هو احمد بن تيمية فناداه الشيخ فجاء إليه فتناول الشيخ اللوح فنظر فيه ثم قال يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئا تكتبه ففعل فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثا وقال له اقرأ هذا فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه ثم دفعه إليه وقال اسمعه علي فقرأه عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع فقال له يا ولدي امسح هذا ففعل فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثم قال اقرأ هذا فنظر فيه كما فعل أول مرة فقام الشيخ وهو يقول إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم فإن هذا لم ير مثله أو كما قال