[الوصية الصغرى]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كل حال.
هذا سؤال أبي القاسم القاسم بن يوسف ابن محمد بن علي التجيبي السبتي -عفا الله عنه-:
يتفضل سيدنا الشيخ PageV01P016 الفقيه الهمام الإمام الفاضل العالم بقية السلف، وقدوة الخلف، المبدع المغرب المعرب المفصح، أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب، تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية أبقى الله علينا بركته: بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي، ويرشدني إلى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث، وكذلك في غيره من العلوم الشرعية، وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات، ويبين لي أرجح المكاسب؛ PageV01P017 كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار، والله تعالى يحفظه، والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته. PageV01P018
قال الشيخ الإمام العالم العلامة، بحر العلوم، تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله، ورضي عنه-:
أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها، قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131]، ووصى النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذا لما بعثه إلى اليمن؛ فقال: «يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق PageV01P019 الناس بخلق حسن».
وكان معاذ -رضى الله عنه- من النبي -صلى الله عليه وسلم- بمنزلة علية؛ فإنه قال له: «يا معاذ! والله إني لأحبك»، وكان يردفه وراءه، PageV01P020 وروي فيه أنه: «أعلم الأمة بالحلال والحرام»، وأنه: «يحشر أمام العلماء برتوة»، أي بخطوة. PageV01P021
ومن فضله أنه بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- مبلغا عنه، داعيا، ومفقها، ومفتيا، وحاكما إلى أهل اليمن. PageV01P022
وكانوا يشبهونه بإبراهيم الخليل -عليه السلام-، وإبراهيم إمام الناس، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: «إن معاذا PageV01P023 كان أمة، قانتا لله، حنيفا، ولم يك من المشركين» تشبيها له بإبراهيم. PageV01P024
ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- وصاه هذه الوصية؛ فعلم أنها جامعة. وهي كذلك لمن عقلها، مع أنها تفسير الوصية القرآنية.
أما بيان جمعها؛ فلأن العبد عليه حقان: حق لله -عز وجل-، وحق لعباده، ثم إن الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا؛ إما ترك مأمور به، أو فعل منهي عنه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اتق الله حيثما كنت»، وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية.
ثم قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»؛ فإن الطبيب متى تناول المريض شيئا مضرا أمره بما يصلحه، والذنب للعبد كأنه أمر حتم؛ فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات ما تمحو السيئات، وإنما قدم في لفظ الحديث: «السيئة» -وإن كانت مفعولة- لأن المقصود هنا محوها، لا فعل PageV01P025 الحسنة، فصار كقوله في بول الأعرابي: «صبوا على بوله ذنوبا من ماء».
وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات؛ فإنه أبلغ في المحو.
والذنوب؛ يزول موجبها بأشياء:
أحدها: التوبة.
والثاني: الاستغفار من غير توبة؛ فإن الله تعالى قد PageV01P026 يغفر له إجابة لدعائه، وإن لم يتب؛ فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال.
الثالث: الأعمال الصالحة المكفرة: إما الكفارات المقدرة، كما يكفر المجامع في رمضان، والمظاهر، والمرتكب لبعض محظورات الحج، أو تارك بعض واجباته، أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهي أربعة أجناس: هدي، وصدقة، وعتق، وصيام.