مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، الحمد لله العليم الحكيم، الغفور الرحيم، العظيم الحليم، الجواد الكريم الذي عم بريته فضله العميم، ووسع خليقته إحسانه القديم، وهدى صفوته إلى صراطه المستقيم، ونهج شرعته على المنهج القويم، ووسع كل شيء رحمة وعلما على الإجمال والتقسيم، ودبر كل شيء قدرة وحكما بالتقدير والتعليم، ووسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم، أحمده حمدا يكافئ نعمه ويوافي مزيد التكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالآيات والذكر الحكيم، ففتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وهدى به من الجهل الصميم، صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وتسليم.
أما بعد فقد تكررت مسألة بعض أصحابنا وصدقت رغبته في شرح كتاب العمدة، تأليف الإمام الأوحد شيخ الإسلام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رضي الله عنه وأرضاه، وجعل أعلى الفردوس متبوءه ومثواه، شرحا يفسر مسائلها ويقرب دلائلها ويفرع قواعدها ويتم مقاصدها متوسطا بين الإيجاز والإطناب والإخلال والإسهاب، فاستخرت الله تعالى وأجمعت ذلك راجيا من الله سبحانه تحقيق محمود الأمل، وإخلاص صالح العمل، والإعانة على الإبانة والهداية إلى الدراية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
[كتاب الطهارة]
[باب أحكام المياه] [مسألة خلق الماء طهورا]
(باب أحكام المياه)
مسألة:
" خلق الماء طهورا
يطهر من الأحداث والنجاسات "
الطهور هو ما يتطهر به مثل الفطور والسحور والوجور، فأما الطهور فمصدر طهر الشيء، وطهر طهارة وطهرا وطهورا ليس الطهور هو الطاهر ولا مبالغة فيه. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «لما سئل عن ماء البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميته» "، وقال: " «جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا» " أي مطهرة، وهذه صفة للماء دون غيره من المائعات، فلذلك طهر غيره ودفع النجاسة عن نفسه.
والحدث: هو معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف.
والنجاسة: هي أعيان مستخبثة في الشرع يمتنع المصلي من استصحابها، وهي في الأصل مصدر نجس الشيء ينجس نجاسة فهو نجس، ويقال نجس الشيء ينجس نجسا ثم سمي الشيء النجس نجاسة ونجسا فلا يثنى ولا يجمع إلا أن يريد الأنواع، والماء يطهر من الحدث والنجاسة لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11]
وقوله في آية الوضوء {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43]. وتطهر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالماء مشهور وأجمعت الأمة على ذلك.