وأما السهروردي فقوله قول المسلمين إن الله يتجلى لعباده يوم القيامة ويكلمهم في عرصات القيامة وفي الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقول القائل بقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات فلا اسم ولا صفة ولا ذات يطابق قول هؤلاء وهذا إن أراد به أن الله نفسه تعدم صفاته فهذا من أظهر الباطل فإن صفاته القائمة بذاته لا تعدم وإن أراد أني أشهده بلا صفة فهذا شهود ناقص وهو نقص علم وإيمان وإن أراد أني أشهده بحقيقته وهي في نفس الأمر لا صفة لها ولا اسم فهذا مذهب هؤلاء الملاحدة وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية الذين هم شر من هؤلاء.
وقوله لا اسم ولا صفة ولا ذات قد يريد بالذات القائم بنفسه فإنه يشهد وجودا مطلقا أطلسا ليس فيه شيء قائم بنفسه فيكون ذاتا ولا قائم بغيره فيكون صفة.
فهذا منتهى معرفة المحبوبين الذين هم أفضل من أبدال الأنبياء عند هؤلاء الضالين وهذا الرب الذي ذكروه لا حقيقة له إلا في أنفسهم هل هو إلا ما يتخيلونه ف سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182) [الصافات 180-182] .
وما كنت أظن هذا الشيخ وصل إلى هذا الحد حتى رأيت هذا الكلام ولا حول ولا قوة إلا بالله ولعله قد تاب من ذلك فإن الإنسان لا يدوم على حال واحدة.
وكذلك
قوله فهناك يظهر من لم يزل ظهورا
لا علة له بل ظهر بسره لذاته في ذاته ظهورا لا أولية له بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحيي هذا العبد بظهوره حياة لا علة لها فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها فصار أولا في الظهور لا ظاهر قبله فوجدت الأشياء بأوصافه فظهرت بنوره في نوره.
فيقال قد تقدم قوله إنه لا يبقى هناك ذات فقوله نظر من
ذاته لذاته يناقض ما تقدم مع أن هذا الإلحاد والاتحاد أعظم من أن يقتصر على ذمه بمجرد التناقض فقوله ظهر لذته من ذاته في ذاته يطابق مذهب أهل الوحدة الذين يقولون هو الظاهر في جميع المخلوقات وأن ذاته ظهرت لذاته.
وقول ابن عربي ومن أسمائه الحسنى العلي على من يكون عليا وما ثم إلا هو وعن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو.
إلى أن قال قال أبو سعيد الخراز وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد ثم قال فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات.
وهذا الكلام ذكره القشيري وغيره عن أبي سعيد الخراز لما قيل
له بم عرفت ربك قال بالجمع بين النقيضين وتلا قوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) [الحديد 3] .
وأراد أبو سعيد أن المخلوق لا يكون هو الأول الآخر الظاهر الباطن بل هذا متضاد في حقه بخلاف الخالق ولم يرد أبو سعيد مذهب الحلول والاتحاد فإن أبا سعيد أعلى قدرا من ذلك وإن كان له في الفناء كلام أنكر بعضه وإن قدر أن أبا سعيد وغيره أراد معنى باطلا فذلك المعنى مردود كائنا من كان قائله.
ولما جرت بالديار المصرية من محنة هؤلاء الجهمية ما قد عرفه الناس وظهر مذهبهم وما قاله هذا وأمثاله حدثني بعض الأكابر الذين لهم قدر ومنزلة معروفة أن النصارى لما سمعوا هذا جعلوا يقولون يا مسلمين أنتم أنكرتم علينا قولنا إن المسيح هو الله وهؤلاء شيوخكم يقولون إن الله هو أبو سعيد الخراز فنحن خير منكم!!