قوله أعوذ بك منك
فهذه الكلمة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يرد بها ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم بل هي كلمة حق أراد بها هذا القائل PageV01P155
معنى باطلا حيث قال حتى لا أرى غيرك ومراده أنه ليس ثم غير.
كما قال محال أن يحجبه غيره ثم إن هذا مذهب متناقض فإنه إن كان ثم غير فقد ثبت التعدد وإن كان ما ثم غير فلا يتصور أن يحجب عن الله حتى يقال له المحجوب من حجب عن الله.
و
هؤلاء يشهدون وحدة الوجود وفطرتهم تشهد بتعدد الوجود
فلهذا كلامهم دائر بين فطرتهم السليمة ومذاهبهم الذميمة.
ولقد حضر عندي منهم شيخ من شيوخهم وطلب مني شيئا فجعلت أستنطقه هذا المذهب ليسمعه الحاضرون فإن من الناس من ينكر وجود هؤلاء مع كثرتهم لفساد مذهبهم في العقل وكان قد طلب درهما فقلت له من الطالب فقال هو الله قلت والمطلوب قال هو الله قلت والدرهم قال هو الله وكان هناك فروج وسكين فقلت والفروج والسكين فقال هو الله فجعل يقول إني مريض فأعطني فقلت له المعطي غير المعطى أم لا من هو الذي يعطيك وأمثال هذا الكلام الذي أبين به تناقض قولهم ليظهر له فساده وتوبته بعد ذلك فضجر في أثناء الكلام ورفع بصره إلى السماء وقال يا الله فقلت إلى من ترفع وعلى مذهب المحققين أعني أصحابه ما هناك شيء فقال أستغفر الله أخطأت فصار بفطرته يقر بأن الله فوق ومذهبه يأمره بأن ينكر أن يكون فوق العالم شيء وهو حائر بين فطرته
التي فطر عليها ومذهبه الذي تلقاه من شيوخه والكلام على هذا يطول وصفه وإنما المقصود التنبيه.
فصل
ثم قال وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه به إذ محال أن يتوصل إليه بغيره.
فيقال لو قال هو به إليه لكان حقا فإن الله لا يعبد إلا بإعانته ولا حول ولا قوة إلا بالله ف من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) [الكهف 17] .
لكن قال فهو منه إليه فقوله منه إليه من جنس قول أهل الوحدة بل هو من العبد المخلوق المحدث إلى الرب الخالق القديم.
ولما كان كثير من السالكين يقعون في الحلول والاتحاد وكثر ذلك في طريق متأخري الصوفية [أجاب] الجنيد قدس الله روحه لما سئل عن التوحيد فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القدم فرضي الله عن الجنيد فإنه كان إمام هدى وتكلم على المرض الذي يبتلى به كثير من هؤلاء.
وقد أنكر ابن عربي على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ مثل سهل بن عبد الله التستري وأمثاله في كتابه الذي سماه ب التجليات
وادعى أن هؤلاء ماتوا وما عرفوا التوحيد وأنه عرفهم إياه في هذا التجلي الذي له وهو تجل خيالي شيطاني من نفسه إلى نفسه في نفسه.
وأورد على الجنيد أنك إذا قلت التوحيد تمييز المحدث عن القديم فالمميز بين الشيئين لا بد أن يكون غيرهما وإذا كان ما ثم إلا محدث وقديم فمن الذي يميز؟
[فيقال] هذا ممنوع فليس من شرط المميز بين الشيئين أن يكون غيرهما بل العبد يفرق بين نفسه وبين غيره من المخلوقات وليس هو غيرهما وكذلك يميز بين نفسه وبين ربه والرب تعالى يفرق بين نفسه المقدسة وبين مخلوقاته وليس هو عين الشيئين وما أكثر ما في
كلامهم من هذه القضايا الحادثة الخيالية التي يلبسون بها على الناس لا سيما على من يحسن بهم الظن.
وإنما كان الحلول يكثر في كثير من الصوفية ذكر ذلك أبو نعيم الأصبهاني في أول حلية الأولياء وذكره أبو القاسم القشيري في رسالته وغيرها وحذروا منه ومن أهله وذموا هؤلاء كما كان المشايخ العارفون الذين يقتدى بهم يذمون هذا.