الموضع الثاني قوله نسألك العصمة في الحركات
والكلمات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والأوهام
الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب.
فهذا الدعاء ينافي حال من يقول علمك حسبي فمن اكتفى بالعلم لم يسأل.
ثم يقال هذا الدعاء لا يجوز لأحد أن يدعو به بل هو من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه بقوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) [الأعراف 55] .
قال أبو مجلز مثل أن يسأل منازل الأنبياء فإذا كان من دون الأنبياء ليس له أن يسأل منازل الأنبياء فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟!
ولا ريب أن رفع الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقا لا يحصل لغير الله تعالى فإنه عالم الغيب والشهادة وإنما أطلع من شاء من خلقه على ما يشاء من علمه كما قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [البقرة 255] وقال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) [الإسراء 85] .
وفي الصحيحين أن الخضر قال لموسى لما نقر العصفور
نقرة في البحر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
فإذا كان موسى الذي قال الله فيه وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف 145] والخضر الذي قال فيه آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) [الكهف 65] علمهما في القلة بهذه النسبة فكيف بمن هو دونهما؟!
وقد قال تعالى لأفضل خلقه قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) -إلى قوله- قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) [الجن 25-27] وقال له قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي [الأنعام 50] .
ثم لو قدر أن هذا الدعاء يسوغ أن يدعو به نبي وإن كان هذا تقديرا ممتنعا فهل يسوغ لآحاد العامة أن يدعو بهذا وهل هذا إلا كمن يقول اللهم اجعلني أعلم ما تعلم واجعلني مثلك؟!
ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون إن الغوث الفرد القطب الجامع يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه.
ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان هكذا ثم انتقل ذلك السر إلى الحسن بن علي ثم انتقل إلى ذريته حتى انتهى إلى الشيخ أبي الحسن ثم انتقل إلى ابنه.
وكان بعض أعيان المدرسين الذين قدموا إلى الشام يذكر ذلك ويبوح به لمن يجتمع به من أصحابه الفضلاء حتى أخبروني بذلك
وكان هذا الشخص يجتمع بي فبينت له فساد هذا الكلام وما فيه من الخروج عن دين الإسلام.
ولا ريب أن هذا القول شر من قول النصارى من بعض الوجوه فإن النصارى ادعوا هذا الغلو في المسيح وحده فمن قال إن كثيرا من الناس يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه فقد قال في كثير من الناس ما يضاهي قول النصارى في المسيح ابن مريم.
ويحكون عن هذا الشيخ أبي الحسن حكايات لا تخلو من شيئين إما كذب من الناقل أو خطأ من القائل مثل قوله ما من ولي لله كان أو يكون إلى آخر الدهر إلا وأنا أعرفه وأعرف اسمه واسم أبيه ومرتبته من الله ونحو هذا الكلام الذي لا يجوز أن يدعيه أحد من الأنبياء.
فإن أفضل الخلق وأكرمهم على الله محمد صلى الله عليه وسلم لا يعرف أمته يوم القيامة إلا بالسيما الظاهرة كما في الحديث الصحيح لما قيل له كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك قال أرأيتم لو كان لرجل خيل محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء.