فعل الرب لا يقاس بأفعال العباد
بل من أعظم الأصول التي أنكرها أهل السنة على المعتزلة ونحوهم من القدرية قياس أفعال الرب على أفعال العباد وبالعكس وقالوا هم مشبهة الأفعال فإنهم يجعلون الحسن من العبد والقبيح منه حسنا من الرب وقبيحا منه وليس الأمر كذلك فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله.
والله تعالى يحب من العباد أمورا اتصف بها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وتر يحب الوتر وقال إنه جميل يحب الجمال وأنه نظيف يحب النظافة وأنه طيب لا يقبل إلا طيبا ونحو ذلك وقال الراحمون يرحمهم الرحمن فهو يحب اتصاف العبد بهذه
الصفات وتعبده بهذه المعاني المحبوبة.
وهذا قد طرده بعض الناس كأبي حامد الغزالي وغيره وجعلوا العبد يتصف بالجبار والمتكبر على وجه فسروه وجعلوا ذلك تخلقا بأخلاق الله ورووا حديثا تخلقوا بأخلاق الله وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازري وغيره وقالوا ليس للرب خلق يتخلق به العبد وقالوا هذه فلسفة كسيت عباءة الإسلام وهو معنى قول الفلاسفة الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة.
وبالجملة فالاتصاف والتخلق والتعبد بما أحب الله من العباد الاتصاف به وهو من صفاته كالعلم والرحمة والإحسان والجمال الشرعي ونحو ذلك هو حق كما دل عليه الكتاب والسنة بخلاف الكبرياء ونحوه فإنه قد ثبت في الصحيح أن الله يقول العظمة
إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدة منها عذبته.
وصفات الله نوعان نوع يختص به كالإلهية فليس لأحد أن يتصف بذلك فإنه لا إله إلا الله ونوع يتصف عباده منه بما وهبه لهم كالعلم والرحمة والحكمة فهذا وإن اتصف به العبد فالله تعالى لا كفوا له سبحانه فهو منزه عن النقائص مطلقا ومنزه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات كماله بل هو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل وهو منزه فيها عن التمثيل.
وأما صفات النقص فهي منتفية عنه مطلقا وهو موصوف بالكمال الذي لا غاية فوقه منزه فيه عن التمثيل إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل نثبت له الأسماء الحسنى والصفات العلى وننفي عنه مماثلة المخلوقات في شيء منها.
وأما الصفات والأفعال التي تختص العبد كالذل والخوف والرجاء والتضرع والافتقار والسؤال ونحو ذلك فهذه وإن أمر الله بها العبد فهو سبحانه منزه عنها لا تطلب منه وإذا كان ما أمر فإنه قد يحسن منه وقد لا يحسن لم يجز أن يقال أنت قد أمرتنا بذلك فأنت أحق به منا هذا إذا كان المطلوب مما يسوغ طلبه منه كالإحسان والعفو والمغفرة.
فأما إذا كان منزها عنه كالإحسان إلى من أساء إليه فهذا خطأ لوجهين لأنه لا يقال إن العبد يحسن إلى الله ويسيء إليه ولأنه لا يقال أفعل كذا لأنك أمرتنا به وأنت أحق أن تفعل ما أمرتنا بفعله بل هذا يقوله الأكفاء بعضهم مع بعض كالإنسان الذي يأمر الناس بطاعة
الله ورسوله فهو أحق منهم بفعل ما أمر كما قال تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) [البقرة 44] ومن قال مثل هذا في حق الله فهو جاهل إن لم يعرف حقيقة ما قال وإن عرف حقيقته وأصر على ذلك فهو كافر.
ولا ريب أن كثيرا من أهل العبادة والنسك والتأله يناجي الله ويدعوه بأمور منكرة كما قد يعبده بعبادات مبتدعة ويكون قصده الخير واتباع السنة لكن يغلط لجهله فهذا قد يغفر الله له ويرحمه بحسن قصده ولكن يجب النهي عما أخطأ فيه ويبين له الصواب فإن أصر على استصواب مخالفة الرسل قتل.